تفسير الجلالين

سورة الزمر

تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾
"تَنْزِيل الْكِتَاب" الْقُرْآن مُبْتَدَأ "مِنَ اللَّه" خَبَره "الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الْحَكِيم" فِي صُنْعه
إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿٢﴾
"إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك" يَا مُحَمَّد "الْكِتَاب بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِأَنْزَل "فَاعْبُدِ اللَّه مُخْلِصًا لَهُ الدِّين" مِنْ الشِّرْك : أَيْ مُوَحِّدًا لَهُ
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ ﴿٣﴾
"أَلَا لِلَّهِ الدِّين الْخَالِص" لَا يَسْتَحِقّهُ غَيْره "وَاَلَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونه" عِبَادَة الْأَصْنَام "أَوْلِيَاء" وَهُمْ كُفَّار مَكَّة قَالُوا : "مَا نَعْبُدهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّه زُلْفَى" قُرْبَى مَصْدَر بِمَعْنَى تَقْرِيبًا "إنَّ اللَّه يَحْكُم بَيْنهمْ" وَبَيْن الْمُسْلِمِينَ "فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" مِنْ أَمْر الدِّين فَيَدْخُل الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّة وَالْكَافِرِينَ النَّار "إنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِب" فِي نِسْبَة الْوَلَد إلَيْهِ "كُفَّار" بِعِبَادَتِهِ غَيْر اللَّه
لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾
"لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا" كَمَا قَالُوا : "اتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا" "لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُق مَا يَشَاء" وَاِتَّخَذَهُ وَلَدًا غَيْر مَنْ قَالُوا مِنْ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه وَعُزَيْر ابْن اللَّه وَالْمَسِيح ابْن اللَّه "سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ اتِّخَاذ الْوَلَد "هُوَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار" لِخَلْقِهِ
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ﴿٥﴾
"خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بخَلَقَ "يُكَوِّر" يُدْخِل "اللَّيْل عَلَى النَّهَار" فَيَزِيد "وَيُكَوِّر النَّهَار" يُدْخِلهُ "عَلَى اللَّيْل" فَيَزِيد "وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر كُلّ يَجْرِي" فِي فُلْكه "لِأَجَلٍ مُسَمَّى" لِيَوْمِ الْقِيَامَة "أَلَا هُوَ الْعَزِيز" الْغَالِب عَلَى أَمْره الْمُنْتَقِم مِنْ أَعْدَائِهِ "الْغَفَّار" لِأَوْلِيَائِهِ
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقًۭا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍۢ فِى ظُلُمَٰتٍۢ ثَلَٰثٍۢ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿٦﴾
"خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة" أَيْ آدَم "ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا" حَوَّاء "وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَام" الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم الضَّأْن وَالْمَعْز "ثَمَانِيَة أَزْوَاج" مِنْ كُلٍّ زَوْجَانِ ذَكَر وَأُنْثَى كَمَا بَيَّنَ فِي سُورَة الْأَنْعَام "يَخْلُقكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْد خَلْق" أَيْ نُطَفًا ثُمَّ عُلَقًا ثُمَّ مُضَغًا "فِي ظُلُمَات ثَلَاث" هِيَ ظُلْمَة الْبَطْن وَظُلْمَة الرَّحِم وَظُلْمَة الْمَشِيمَة "ذَلِكُمُ اللَّه رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْك لَا إلَه إلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ" عَنْ عِبَادَته إلَى عِبَادَة غَيْره
إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿٧﴾
"إنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر" وَإِنْ أَرَادَهُ مِنْ بَعْضهمْ "وَإِنْ تَشْكُرُوا" اللَّه فَتُؤْمِنُوا "يَرْضَهْ" بِسُكُونِ الْهَاء وَضَمّهَا مَعَ إشْبَاع وَدُونه : أَيْ الشُّكْر "لَكُمْ وَلَا تَزِر" نَفْس "وَازِرَة وِزْر" نَفْس "أُخْرَى" أَيْ لَا تَحْمِلهُ "ثُمَّ إلَى رَبّكُمْ مَرْجِعكُمْ فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور" بِمَا فِي الْقُلُوب
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّۭ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةًۭ مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ﴿٨﴾
"وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ" أَيْ الْكَافِرَ "ضُرٌّ دَعَا رَبّه" تَضَرَّعَ "مُنِيبًا" رَاجِعًا "إلَيْهِ ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ نِعْمَة" أَعْطَاهُ إنْعَامًا "مِنْهُ نَسِيَ" تَرَكَ "مَا كَانَ يَدْعُو" مَا فِي مَوْضِع مَنْ يَتَضَرَّع "إلَيْهِ مِنْ قَبْل" وَهُوَ اللَّه "وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا" شُرَكَاء "لِيُضِلّ" بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّهَا "عَنْ سَبِيله" دِين الْإِسْلَام "قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِك قَلِيلًا" بَقِيَّة أَجَلك
أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًۭا وَقَآئِمًۭا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴿٩﴾
"أَمَّنْ" بِتَخْفِيفِ الْمِيم وَفِي قِرَاءَة أَمْ مَنْ فَأَمْ بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَة "هُوَ قَانِت" قَائِم بِوَظَائِف الطَّاعَات "آنَاء اللَّيْل" سَاعَاته "سَاجِدًا وَقَائِمًا" فِي الصَّلَاة "يَحْذَر الْآخِرَة" أَيْ يَخَاف عَذَابهَا "وَيَرْجُو رَحْمَة" جَنَّة "رَبّه" كَمَنْ هُوَ عَاصٍ بِالْكُفْرِ أَوْ غَيْره "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" أَيْ لَا يَسْتَوِيَانِ كَمَا لَا يَسْتَوِي الْعَالِم وَالْجَاهِل "إنَّمَا يَتَذَكَّر" يَتَّعِظ "أُولُو الْأَلْبَاب" أَصْحَاب الْعُقُول
قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿١٠﴾
"قُلْ يَا عِبَاد الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبّكُمْ" أَيْ عَذَابه بِأَنْ تُطِيعُوهُ "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا" بِالطَّاعَةِ "حَسَنَة" هِيَ الْجَنَّة "وَأَرْض اللَّه وَاسِعَة" فَهَاجِرُوا إلَيْهَا مِنْ بَيْن الْكُفَّار وَمُشَاهَدَة الْمُنْكَرَات "إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ" عَلَى الطَّاعَة وَمَا يُبْتَلَوْنَ بِهِ "أَجْرهمْ بِغَيْرِ حِسَاب" بِغَيْرِ مِكْيَال وَلَا مِيزَان
قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿١١﴾
"قُلْ إنِّي أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين" مِنَ الشِّرْك
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿١٢﴾
"وَأُمِرْت لِأَنْ" أَيْ بِأَنْ "أَكُونَ أَوَّل الْمُسْلِمِينَ" مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة
قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿١٣﴾
قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى ﴿١٤﴾
"قُلِ اللَّه أَعْبُد مُخْلِصًا لَهُ دِينِي" مِنَ الشِّرْك
فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴿١٥﴾
"فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونه" غَيْره فِيهِ تَهْدِيد لَهُمْ وَإِيذَان بِأَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّه تَعَالَى "قُلْ إنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة" بِتَخْلِيدِ الْأَنْفُس فِي النَّار وَبِعَدَمِ وُصُولهمْ إلَى الْحُور الْمُعَدَّة لَهُمْ فِي الْجَنَّة لَوْ آمَنُوا "أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخَسْرَان الْمُبِين" الْبَيِّن
لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌۭ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌۭ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ﴿١٦﴾
"لَهُمْ مِنْ فَوْقهمْ ظُلَل" طِبَاق "مِنَ النَّار وَمِنْ تَحْتهمْ ظُلَل" مِنَ النَّار "ذَلِكَ يُخَوِّف اللَّه بِهِ عِبَاده" أَيْ الْمُؤْمِنِينَ لِيَتَّقُوهُ يَدُلّ عَلَيْهِ
وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾
"وَاَلَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوت" الْأَوْثَان "أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا" أَقْبَلُوا "إلَى اللَّه لَهُمُ الْبُشْرَى" بِالْجَنَّةِ
ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴿١٨﴾
"الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" وَهُوَ مَا فِيهِ صَلَاحهمْ "أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّه وَأُولَئِكَ هُمُ أُولُو الْأَلْبَاب" أَصْحَاب الْعُقُول
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ﴿١٩﴾
"أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَة الْعَذَاب" أَيْ : "لَأَمْلَأَن جَهَنَّم" الْآيَة "أَفَأَنْتَ تُنْقِذ" تُخْرِج "مَنْ فِي النَّار" جَوَاب الشَّرْط وَأُقِيمَ فِيهِ الظَّاهِر مَقَام الْمُضْمَر وَالْهَمْزَة لِلْإِنْكَارِ وَالْمَعْنَى لَا تَقْدِر عَلَى هِدَايَته فَتُنْقِذهُ مِنْ النَّار
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌۭ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌۭ مَّبْنِيَّةٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ﴿٢٠﴾
"لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبّهمْ" بِأَنْ أَطَاعُوهُ "لَهُمْ غُرَف مِنْ فَوْقهَا غُرَف مَبْنِيَّة تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار" أَيْ مِنْ تَحْت الْغُرَف الْفَوْقَانِيَّة وَالتَّحْتَانِيَّة "وَعْد اللَّه" مَنْصُوب بِفِعْلِهِ الْمُقَدَّر "لَا يُخْلِف اللَّه الْمِيعَاد" وَعْده
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَٰمًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ﴿٢١﴾
"أَلَمْ تَرَ" تَعْلَم "أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيع" أَدْخَلَهُ أَمْكِنَة نَبْع "فِي الْأَرْض ثُمَّ يُخْرِج بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانه ثُمَّ يَهِيج" يَيْبَس "فَتَرَاهُ" بَعْد الْخُضْرَة مَثَلًا "مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلهُ حُطَامًا" فُتَاتًا "إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى" تَذْكِيرًا "لِأُولِي الْأَلْبَاب" يَتَذَكَّرُونَ بِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه تَعَالَى وَقُدْرَته
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿٢٢﴾
"أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْره لِلْإِسْلَامِ" فَاهْتَدَى "فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبّه" كَمَنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبه دَلَّ عَلَى هَذَا "فَوَيْل" كَلِمَة عَذَاب "لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبهمْ مِنْ ذِكْر اللَّه" أَيْ عَنْ قَبُول الْقُرْآن "أُولَئِكَ فِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًۭا مُّتَشَٰبِهًۭا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾
"اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث كِتَابًا" بَدَل مِنْ أَحْسَن أَيْ قُرْآنًا "مُتَشَابِهًا" أَيْ يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي النَّظْم وَغَيْره "مَثَانِيَ" ثُنِيَ فِيهِ الْوَعْد وَالْوَعِيد وَغَيْرهمَا "تَقْشَعِرّ مِنْهُ" تَرْتَعِد عِنْد ذِكْر وَعِيده "جُلُود الَّذِينَ يَخْشَوْنَ" يَخَافُونَ "رَبّهمْ ثُمَّ تَلِينَ" تَطْمَئِنّ "جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إلَى ذِكْر اللَّه" أَيْ عِنْد ذِكْر وَعْده "ذَلِكَ" أَيْ الْكِتَاب
أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٢٤﴾
"أَفَمَنْ يَتَّقِي" يَلْقَى "بِوَجْهِهِ سُوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة" أَيْ أَشَدّه بِأَنْ يُلْقَى فِي النَّار مَغْلُولَة يَدَاهُ إلَى عُنُقه كَمَنْ أَمِنَ مِنْهُ بِدُخُولِ الْجَنَّة "وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ" أَيْ كُفَّار مَكَّة "ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ" أَيْ جَزَاءَهُ
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٥﴾
"كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ" رُسُلهمْ فِي إتْيَان الْعَذَاب "فَأَتَاهُمُ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ" مِنْ جِهَة لَا تَخْطِر بِبَالِهِمْ
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾
"فَأَذَاقَهُمْ اللَّه الْخِزْي" الذُّلّ وَالْهَوَان مِنْ الْمَسْخ وَالْقَتْل وَغَيْره "فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا" أَيْ الْمُكَذِّبُونَ "يَعْلَمُونَ" عَذَابهَا مَا كَذَّبُوا
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾
"وَلَقَدْ ضَرَبْنَا" جَعَلْنَا "لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآن مِنْ كُلّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٢٨﴾
"قُرْآنًا عَرَبِيًّا" حَال مُؤَكِّدَة "غَيْر ذِي عِوَج" أَيْ لَبْس وَاخْتِلَاف "لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" الْكُفْر
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلًۭا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلًۭا سَلَمًۭا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٩﴾
"ضَرَبَ اللَّه" لِلْمُشْرِكِ وَالْمُوَحِّد "مَثَلًا رَجُلًا" بَدَل مِنْ مَثَلًا "فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ" مُتَنَازِعُونَ سَيِّئَة أَخْلَاقهمْ "وَرَجُلًا سَلَمًا" خَالِصًا "لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا" تَمْيِيز : أَيْ لَا يَسْتَوِي الْعَبْد لِجَمَاعَةٍ وَالْعَبْد لِوَاحِدٍ فَإِنَّ الْأَوَّل إذَا طَلَبَ مِنْهُ كُلّ مِنْ مَالِكَيْهِ خِدْمَته فِي وَقْت وَاحِد تَحَيَّرَ فِيمَنْ يَخْدُمهُ مِنْهُمْ وَهَذَا مَثَل لِلْمُشْرِكِ وَالثَّانِي مَثَل لِلْمُوَحِّدِ "الْحَمْد لِلَّهِ" وَحْده "بَلْ أَكْثَرهمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "لَا يَعْلَمُونَ" مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ الْعَذَاب فَيُشْرِكُونَ
إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴿٣٠﴾
"إنَّك" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَيِّت وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ" سَتَمُوتُ وَيَمُوتُونَ فَلَا شَمَاتَة بِالْمَوْتِ نَزَلَتْ لَمَّا اسْتَبْطَئُوا مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴿٣١﴾
"ثُمَّ إنَّكُمْ" أَيّهَا النَّاس فِيمَا بَيْنكُمْ مِنْ الْمَظَالِم
۞ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْكَٰفِرِينَ ﴿٣٢﴾
"فَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَظْلَم مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه" بِنِسْبَةِ الشَّرِيك وَالْوَلَد إلَيْهِ "وَكَذَّبَ بِالصَّدْقِ" بِالْقُرْآنِ "إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مَثْوًى" مَأْوًى "لِلْكَافِرِينَ" بَلَى
وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾
"وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ" هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَصَدَّقَ بِهِ" هُمْ الْمُؤْمِنُونَ فَاَلَّذِي بِمَعْنَى الَّذِينَ "أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" الشِّرْك
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٣٤﴾
"لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْد رَبّهمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ" لِأَنْفُسِهِمْ بِإِيمَانِهِمْ
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٣٥﴾
"لِيُكَفِّر اللَّه عَنْهُمْ أَسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرهمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ" أَسْوَأ وَأَحْسَن بِمَعْنَى السَّيِّئ وَالْحَسَن
أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ﴿٣٦﴾
"أَلَيْسَ اللَّه بِكَافٍ عَبْده" أَيْ النَّبِيّ, بَلَى "وَيُخَوِّفُونَك" الْخِطَاب لَهُ "بِاَلَّذِينَ مِنْ دُونه" أَيْ الْأَصْنَام أَنْ تَقْتُلهُ أَوْ تَخْبِلهُ
وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍۢ ذِى ٱنتِقَامٍۢ ﴿٣٧﴾
"وَمَنْ يَهْدِ اللَّه فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللَّه بِعَزِيزٍ" غَالِب عَلَى أَمْره "ذِي انْتِقَام" مِنْ أَعْدَائِهِ ؟ بَلَى
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٣٨﴾
"وَلَئِنْ" لَام قَسَم "سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض لَيَقُولُنَّ اللَّه قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه" أَيْ الْأَصْنَام "إنْ أَرَادَنِي اللَّه بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَات ضُرّه" لَا "أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَات رَحْمَته" لَا وَفِي قِرَاءَة بِالْإِضَافَةِ فِيهِمَا "قُلْ حَسْبِيَ اللَّه عَلَيْهِ يَتَوَكَّل الْمُتَوَكِّلُونَ" يَثِق الْوَاثِقُونَ
قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾
"قُلْ يَا قَوْم اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ" حَالَتكُمْ "إنِّي عَامِل" عَلَى حَالَتِي
مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ﴿٤٠﴾
"مَنْ" مَوْصُولَة مَفْعُول الْعِلْم "يَأْتِيه عَذَاب يُخْزِيه وَيَحِلّ" يَنْزِل "عَلَيْهِ عَذَاب مُقِيم" دَائِم هُوَ عَذَاب النَّار وَقَدْ أَخْزَاهُمْ اللَّه بِبَدْرٍ
إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴿٤١﴾
"إنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَاب لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِأَنْزَلَ "فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ" اهْتِدَاؤُهُ "وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ" فَتُجْبِرهُمْ عَلَى الْهُدَى
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾
يَتَوَفَّى "الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامهَا" أَيْ يَتَوَفَّاهَا وَقْت النَّوْم "فَيُمْسِك الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسِل الْأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى" أَيْ وَقْت مَوْتهَا وَالْمُرْسَلَة نَفْس التَّمْيِيز تَبْقَى بِدُونِهَا نَفْس الْحَيَاة بِخِلَافِ الْعَكْس "إنَّ فِي ذَلِكَ" الْمَذْكُور "لَآيَات" دَلَالَات "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقَادِر عَلَى ذَلِكَ قَادِر عَلَى الْبَعْث وَقُرَيْش لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي ذَلِكَ
أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾
"أَمْ" بَلْ "اتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه" أَيْ الْأَصْنَام آلِهَة "شُفَعَاء" عِنْد اللَّه بِزَعْمِهِمْ "قُلْ" لَهُمْ "أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا" يَشْفَعُونَ مِنْ الشَّفَاعَة وَغَيْرهَا "وَلَا يَعْقِلُونَ" أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُمْ وَلَا غَيْر ذَلِكَ ؟ لَا
قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٤٤﴾
"قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعًا" أَيْ هُوَ مُخْتَصّ بِهَا فَلَا يَشْفَع أَحَد إلَّا بِإِذْنِهِ
وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٤٥﴾
"وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْده" أَيْ دُون آلِهَتهمْ "اشْمَأَزَّتْ" نَفَرَتْ وَانْقَبَضَتْ "قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه" أَيْ الْأَصْنَام
قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٤٦﴾
"قُلْ اللَّهُمَّ" بِمَعْنَى يَا اللَّه "فَاطِر السَّمَاوَات وَالْأَرْض" مُبْدِعهمَا "عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة" مَا غَابَ وَمَا شُوهِدَ "أَنْتَ تَحْكُم بَيْن عِبَادك فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" مِنْ أَمْر الدِّين اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقّ
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ ﴿٤٧﴾
"وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا وَمِثْله مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة وَبَدَا" ظَهَرَ "لَهُمْ مِنَ اللَّه مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" يَظُنُّونَ
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٤٨﴾
"وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَات مَا كَسَبُوا وَحَاقَ" نَزَلَ "بِهِمْ مَا كَانُوا به يَسْتَهْزِئُونَ" أَيْ الْعَذَاب
فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّۭ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَٰهُ نِعْمَةًۭ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٩﴾
"فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ" الْجِنْس "ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ خَوَّلْنَاهُ" أَعْطَيْنَاهُ "نِعْمَة" إنْعَامًا "مِنَّا قَالَ إنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم" مِنْ اللَّه بِأَنِّي لَهُ أَهْل "بَلْ هِيَ" أَيْ الْقَوْلَة "فِتْنَة" بَلِيَّة يُبْتَلَى بِهَا الْعَبْد "وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ التَّخْوِيل اسْتِدْرَاج وَامْتِحَان
قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿٥٠﴾
"قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ" مِنْ الْأُمَم كقَارُون وَقَوْمه الرَّاضِينَ بِهَا
فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٥١﴾
"فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَات مَا كَسَبُوا" أَيْ جَزَاؤُهَا "وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ" أَيْ قُرَيْش "سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَات مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ" بِفَائِتِينَ عَذَابنَا فَقُحِطُوا سَبْع سِنِينَ ثُمَّ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ
أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾
"أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق" يُوَسِّعهُ "لِمَنْ يَشَاء" امْتِحَانًا "وَيَقْدِر" يُضَيِّقهُ لِمَنْ يَشَاء ابْتِلَاء "إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" بِهِ
۞ قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾
"قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ لَا تَقْنَطُوا" بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحهَا وَقُرِئَ بِضَمِّهَا تَيْأَسُوا "مِنْ رَحْمَة اللَّه إنَّ اللَّه يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا" لِمَنْ تَابَ مِنْ الشِّرْك
وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿٥٤﴾
"وَأَنِيبُوا" ارْجِعُوا "إلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُوا" أَخْلِصُوا الْعَمَل "لَهُ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيكُمْ الْعَذَاب ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ" بِمَنْعِهِ إنْ لَمْ تَتُوبُوا
وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةًۭ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾
"وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ" هُوَ الْقُرْآن "مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيكُمْ الْعَذَاب بَغْتَة وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" قَبْل إتْيَانه بِوَقْتِهِ
أَن تَقُولَ نَفْسٌۭ يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ﴿٥٦﴾
فَبَادِرُوا قَبْل "أَنْ تَقُول نَفْس يَا حَسْرَتَى" أَصْله يَا حَسْرَتِي أَيْ نَدَامَتِي "عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْب اللَّه" أَيْ طَعَته "وَإِنْ" مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة أَيْ وَإِنِّي "كُنْت لَمِنَ السَّاخِرِينَ" بِدِينِهِ وَكِتَابه
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾
"أَوْ تَقُول لَوْ أَنَّ اللَّه هَدَانِي" بِالطَّاعَةِ فَاهْتَدَيْت "لَكُنْت مِنَ الْمُتَّقِينَ" عَذَابه
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةًۭ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾
"أَوْ تَقُول حِين تَرَى الْعَذَاب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّة" رَجْعَة إلَى الدُّنْيَا "فَأَكُون مِنَ الْمُحْسِنِينَ" الْمُؤْمِنِينَ فَيُقَال لَهُ مِنْ قِبَل اللَّه :
بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴿٥٩﴾
"بَلَى قَدْ جَاءَتْك آيَاتِي" الْقُرْآن وَهُوَ سَبَب الْهِدَايَة "فَكَذَّبْت بِهَا وَاسْتَكْبَرْت" تَكَبَّرْت عَنْ الْإِيمَان بِهَا
وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٦٠﴾
"وَيَوْم الْقِيَامَة تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه" بِنِسْبَةِ الشَّرِيك وَالْوَلَد إلَيْهِ "وُجُوههمْ مُسَوَّدَة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مَثْوًى" مَأْوًى "لِلْمُتَكَبِّرِينَ" عَنْ الْإِيمَان ؟ بَلَى
وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾
"وَيُنَجِّي اللَّه" مِنْ جَهَنَّم "الَّذِينَ اتَّقَوْا" الشِّرْك "بِمَفَازَتِهِمْ" أَيْ بِمَكَانِ فَوْزهمْ مِنْ الْجَنَّة بِأَنْ يُجْعَلُوا فِيهِ
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ﴿٦٢﴾
"اللَّه خَالِقُ كُلّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء وَكِيل" مُتَصَرِّف فِيهِ كَيْفَ يَشَاء
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴿٦٣﴾
"لَهُ مَقَالِيد السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ مَفَاتِيح خَزَائِنهمَا مِنْ الْمَطَر وَالنَّبَات وَغَيْرهمَا "وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه" الْقُرْآن "أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : "وَيُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اتَّقُوا" إلَخْ وَمَا بَيْنهمَا اعْتِرَاض
قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَٰهِلُونَ ﴿٦٤﴾
"قُلْ أَفَغَيْر اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعْبُد أَيّهَا الْجَاهِلُونَ" غَيْر مَنْصُوب بِأَعْبُد الْمَعْمُول لِتَأْمُرُونِّي بِتَقْدِيرِ أَنْ بِنُونٍ وَاحِدَة وَبِنُونَيْنِ بِإِدْغَامٍ وَفَكّ
وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴿٦٥﴾
"وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْك وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلك" وَاَللَّه "لَئِنْ أَشْرَكْت" يَا مُحَمَّد فَرْضًا
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ﴿٦٦﴾
" بَلِ اللَّه" وَحْده "فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ" إنْعَامه عَلَيْك
وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٧﴾
"وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره" مَا عَرَفُوهُ حَقّ مَعْرِفَته أَوْ مَا عَظَّمُوهُ حَقّ عَظَمَته حِين أَشْرَكُوا بِهِ غَيْره "وَالْأَرْض جَمِيعًا" حَال : أَيْ السَّبْع "قَبْضَته" أَيْ مَقْبُوضَة لَهُ : أَيْ فِي مُلْكه وَتَصَرُّفه "يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات" مَجْمُوعَات "بِيَمِينِهِ" بِقُدْرَتِهِ "سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" مَعَهُ
وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ ﴿٦٨﴾
"وَنُفِخَ فِي الصُّور" النَّفْخَة الْأُولَى "فَصَعِقَ" مَاتَ "مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه" مِنْ الْحُور وَالْوِلْدَان وَغَيْرهمَا "ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ" أَيْ جَمِيع الْخَلَائِق الْمَوْتَى "قِيَام يَنْظُرُونَ" يَنْتَظِرُونَ مَا يُفْعَل بِهِمْ
وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٩﴾
"وَأَشْرَقَتِ الْأَرْض" أَضَاءَتْ "بِنُورِ رَبّهَا" حِين يَتَجَلَّى اللَّه لِفَصْلِ الْقَضَاء "وَوُضِعَ الْكِتَاب" كِتَاب الْأَعْمَال لِلْحِسَابِ "وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء" أَيْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالْبَلَاغِ "وَقُضِيَ بَيْنهمْ بِالْحَقِّ" أَيْ الْعَدْل "وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" شَيْئًا
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٧٠﴾
"وَوُفِّيَتْ كُلّ نَفْس مَا عَمِلَتْ" أَيْ جَزَاءَهُ "وَهُوَ أَعْلَم" عَالِم "بِمَا يَفْعَلُونَ" فَلَا يَحْتَاج إلَى شَاهِد
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ﴿٧١﴾
"وَسِيق الَّذِينَ كَفَرُوا" بِعُنْفٍ "إلَى جَهَنَّم زُمَرًا" جَمَاعَات مُتَفَرِّقَة "حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابهَا" جَوَاب إذَا "وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُل مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَات رَبّكُمْ" الْقُرْآن وَغَيْره "وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَة الْعَذَاب" أَيْ : "لَأَمْلَأَن جَهَنَّم" الْآيَة
قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٧٢﴾
"قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا" مُقَدِّرِينَ الْخُلُود "فَبِئْسَ مَثْوَى" مَأْوَى "الْمُتَكَبِّرِينَ" جَهَنَّم
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ﴿٧٣﴾
"وَسِيق الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبّهمْ" بِلُطْفٍ "إلَى الْجَنَّة زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا" الْوَاو فِيهِ لِلْحَالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ "وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتهَا سَلَام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ" حَال "فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ" مُقَدِّرِينَ الْخُلُود فِيهَا وَجَوَاب إذَا مُقَدَّر أَيْ دُخُولهَا وَسَوْقهمْ وَفَتْح الْأَبْوَاب قَبْل مَجِيئِهِمْ تَكْرِمَة لَهُمْ وَسَوْق الْكُفَّار وَفَتْح أَبْوَاب جَهَنَّم عِنْد مَجِيئِهِمْ لِيَبْقَى حَرّهَا إلَيْهِمْ إهَانَة لَهُمْ
وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ﴿٧٤﴾
"وَقَالُوا" عُطِفَ عَلَى دُخُولهَا الْمُقَدَّر "الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْده" بِالْجَنَّةِ "وَأَوْرَثَنَا الْأَرْض" أَيْ أَرْض الْجَنَّة "نَتَبَوَّأ" نَنْزِل "مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ نَشَاء" لِأَنَّهَا كُلّهَا لَا يُخْتَار فِيهَا مَكَان عَلَى مَكَان "فَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ" الْجَنَّة
وَتَرَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿٧٥﴾
"وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ" حَال "مِنْ حَوْل الْعَرْش" مِنْ كُلّ جَانِب مِنْهُ "يُسَبِّحُونَ" حَال مِنْ ضَمِير حَافِّينَ "بِحَمْدِ رَبّهمْ" مُلَابِسِينَ لِلْحَمْدِ : أَيْ يَقُولُونَ : سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ "وَقُضِيَ بَيْنهمْ" بَيْن جَمِيع الْخَلَائِق "بِالْحَقِّ" أَيْ الْعَدْل فَيَدْخُل الْمُؤْمِنُونَ الْجَنَّة وَالْكَافِرُونَ النَّار "وَقِيلَ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ" خَتْم اسْتِقْرَار الْفَرِيقَيْنِ بِالْحَمْدِ مِنْ الْمَلَائِكَة
مشاركة الموضوع