تفسير الجلالين

سورة الذاريات

وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًۭا ﴿١﴾
"وَالذَّارِيَات" الرِّيَاح تَذْرُو التُّرَاب وَغَيْره "ذَرْوًا" مَصْدَر وَيُقَال تَذْرِيهِ ذَرْيًا : تَهُبّ بِهِ
فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًۭا ﴿٢﴾
"فَالْحَامِلَات" السُّحُب تَحْمِل الْمَاء "وِقْرًا" ثِقَلًا مَفْعُول الْحَامِلَات
فَٱلْجَٰرِيَٰتِ يُسْرًۭا ﴿٣﴾
"فَالْجَارِيَات" السُّفُن تَجْرِي عَلَى وَجْه الْمَاء "يُسْرًا" بِسُهُولَةٍ مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ مُيَسَّرَة
فَٱلْمُقَسِّمَٰتِ أَمْرًا ﴿٤﴾
"فَالْمُقَسِّمَات أَمْرًا" الْمَلَائِكَة تَقْسِم الْأَرْزَاق وَالْأَمْطَار وَغَيْرهَا بَيْن الْبِلَاد وَالْعِبَاد
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌۭ ﴿٥﴾
"إنَّمَا تُوعَدُونَ" مَا مَصْدَرِيَّة أَيْ وَعْدهمْ بِالْبَعْثِ وَغَيْره "لَصَادِق" لَوَعْد صَادِق
وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌۭ ﴿٦﴾
"وَإِنَّ الدِّين" الْجَزَاء بَعْد الْحِسَاب "لَوَاقِع" لَا مَحَالَة
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ ﴿٧﴾
"وَالسَّمَاء ذَات الْحُبُك" جَمْع حَبِيكَة كَطَرِيقَةٍ وَطَرِيق أَيْ صَاحِبَة الطُّرُق فِي الْخِلْقَة كَالطَّرِيقِ فِي الرَّمَل
إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍۢ مُّخْتَلِفٍۢ ﴿٨﴾
"إنَّكُمْ" يَا أَهْل مَكَّة فِي شَأْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن "لَفِي قَوْل مُخْتَلِف" قِيلَ شَاعِر سَاحِر كَاهِن شِعْر سِحْر كَهَانَة
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿٩﴾
"يُؤْفَك" يُصْرَف "عَنْهُ" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن أَيْ عَنْ الْإِيمَان بِهِ "مَنْ أُفِكَ" صُرِفَ عَنْ الْهِدَايَة فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى
قُتِلَ ٱلْخَرَّٰصُونَ ﴿١٠﴾
"قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ" لُعِنَ الْكَذَّابُونَ أَصْحَاب الْقَوْل الْمُخْتَلِف
ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍۢ سَاهُونَ ﴿١١﴾
"الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة" جَهْل يَغْمُرهُمْ "سَاهُونَ" غَافِلُونَ عَنْ أَمْر الْآخِرَة
يَسْـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴿١٢﴾
"يَسْأَلُونَ" النَّبِيّ اسْتِفْهَام اسْتِهْزَاء "أَيَّانَ يَوْم الدِّين" أَيْ مَتَى مَجِيئُهُ وَجَوَابهمْ : يَجِيء
يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴿١٣﴾
"يَوْم هُمْ عَلَى النَّار يُفْتَنُونَ" أَيْ يُعَذَّبُونَ فِيهَا وَيُقَال لَهُمْ حِين التَّعْذِيب :
ذُوقُوا۟ فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٤﴾
"ذُوقُوا فِتْنَتكُمْ" تَعْذِيبكُمْ "هَذَا" التَّعْذِيب "الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ" فِي الدُّنْيَا اسْتِهْزَاء
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾
"إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات" بَسَاتِين "وَعُيُون" تَجْرِي فِيهَا
ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾
"آخِذِينَ" حَال مِنْ الضَّمِير فِي خَبَر إنَّ "مَا آتَاهُمْ" أَعْطَاهُمْ "رَبّهمْ" مِنْ الثَّوَاب "إنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ" أَيْ دُخُولهمْ الْجَنَّة "مُحْسِنِينَ" فِي الدُّنْيَا
كَانُوا۟ قَلِيلًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾
"كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ" يَنَامُونَ وَمَا زَائِدَة وَيَهْجَعُونَ خَبَر كَانَ وَقَلِيلًا ظَرْف أَيْ يَنَامُونَ فِي زَمَن يَسِير مِنْ اللَّيْل وَيُصَلُّونَ أَكْثَره
وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾
"وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا
وَفِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّۭ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ﴿١٩﴾
"وَفِي أَمْوَالهمْ حَقّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم" الَّذِي لَا يَسْأَل لِتَعَفُّفِهِ
وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾
"وَفِي الْأَرْض" مِنْ الْجِبَال وَالْبِحَار وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار وَالنَّبَات وَغَيْرهَا "آيَات" دَلَالَات عَلَى قُدْرَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَوَحْدَانِيّته
وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾
"وَفِي أَنْفُسكُمْ" آيَات أَيْضًا مِنْ مَبْدَأ خَلْقكُمْ إلَى مُنْتَهَاهُ وَمَا فِي تَرْكِيب خَلْقكُمْ مِنْ الْعَجَائِب "أَفَلَا تُبْصِرُونَ" ذَلِكَ فَتَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى صَانِعه وَقُدْرَته
وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾
"وَفِي السَّمَاء رِزْقكُمْ" أَيْ الْمَطَر الْمُسَبَّب عَنْهُ النَّبَات الَّذِي هُوَ رِزْق "وَمَا تُوعَدُونَ" مِنْ الْمَآب وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب أَيْ مَكْتُوب ذَلِكَ فِي السَّمَاء
فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴿٢٣﴾
"فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إنَّهُ" أَيْ مَا تُوعَدُونَ "لَحَقّ مِثْل مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ" بِرَفْعِ مِثْل صِفَة وَمَا مَزِيدَة وَبِفَتْحِ اللَّام مُرَكَّبَة مَعَ مَا الْمَعْنَى : مِثْل نُطْقكُمْ فِي حَقِيقَته أَيْ مَعْلُومِيَّته عِنْدكُمْ ضَرُورَة صُدُوره عَنْكُمْ
هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾
"هَلْ أَتَاك" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "حَدِيث ضَيْف إبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ" وَهُمْ مَلَائِكَة اثْنَا عَشَر أَوْ عَشْرَة أَوْ ثَلَاثَة مِنْهُمْ جِبْرِيل
إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ ﴿٢٥﴾
"إذْ" ظَرْف لِحَدِيثِ ضَيْف "دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا" أَيْ هَذَا اللَّفْظ "قَالَ سَلَام" أَيْ هَذَا اللَّفْظ "قَوْم مُنْكَرُونَ" لَا نَعْرِفهُمْ قَالَ ذَلِكَ فِي نَفْسه وَهُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مُقَدَّر أَيْ هَؤُلَاءِ
فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍۢ سَمِينٍۢ ﴿٢٦﴾
"فَرَاغَ" مَالَ "إلَى أَهْله" سِرًّا "فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِين" وَفِي سُورَة هُود "بِعِجْلٍ حَنِيذ" أَيْ مَشْوِيّ
فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٢٧﴾
"فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ" عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَكْل فَلَمْ يُجِيبُوا
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍۢ ﴿٢٨﴾
"فَأَوْجَسَ" أَضْمَرَ فِي نَفْسه "مِنْهُمْ خِيفَة قَالُوا لَا تَخَفْ" إنَّا رُسُل رَبّك "وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم" ذِي عِلْم كَثِير وَهُوَ إسْحَاق كَمَا ذُكِرَ فِي هُود
فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍۢ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌۭ ﴿٢٩﴾
"فَأَقْبَلَتْ امْرَأَته" سَارَّة "فِي صَرَّة" صَيْحَة حَال أَيْ جَاءَتْ صَائِحَة "فَصَكَّتْ وَجْههَا" لَطَمَتْهُ "وَقَالَتْ عَجُوز عَقِيم" لَمْ تَلِد قَطُّ وَعُمْرهَا تِسْع وَتِسْعُونَ سَنَة وَعُمْر إبْرَاهِيم مِائَة سَنَة أَوْ عُمْره مِائَة وَعِشْرُونَ سَنَة وَعُمْرهَا تِسْعُونَ سَنَة
قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٣٠﴾
"قَالُوا كَذَلِك" أَيْ مِثْل قَوْلنَا فِي الْبِشَارَة "قَالَ رَبّك إنَّهُ هُوَ الْحَكِيم" فِي صُنْعه "الْعَلِيم" بِخَلْقِهِ
۞ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿٣١﴾
"قَالَ فَمَا خَطْبكُمْ" شَأْنكُمْ
قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ ﴿٣٢﴾
"قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْم مُجْرِمِينَ" كَافِرِينَ هُمْ قَوْم لُوط
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن طِينٍۢ ﴿٣٣﴾
"لِنُرْسِل عَلَيْهِمْ حِجَارَة مِنْ طِين" مَطْبُوخ بِالنَّارِ
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿٣٤﴾
"مُسَوَّمَة" مُعَلَّمَة عَلَيْهَا اسْم مَنْ يُرْمَى بِهَا "عِنْد رَبّك" ظَرْف لَهَا "لِلْمُسْرِفِينَ" بِإِتْيَانِهِمْ الذُّكُور مَعَ كُفْرهمْ
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٣٥﴾
"فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا" أَيْ قُرَى قَوْم لُوط "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" لِإِهْلَاكِ الْكَافِرِينَ
فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍۢ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿٣٦﴾
"فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ" وَهُمْ لُوط وَابْنَتَاهُ وُصِفُوا بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَام أَيْ هُمْ مُصَدِّقُونَ بِقُلُوبِهِمْ عَامِلُونَ بِجَوَارِحِهِمْ الطَّاعَات
وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةًۭ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿٣٧﴾
"وَتَرَكْنَا فِيهَا" بَعْد إهْلَاك الْكَافِرِينَ "آيَة" عَلَامَة عَلَى إهْلَاكهمْ "لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَاب الْأَلِيم" فَلَا يَفْعَلُونَ مِثْل فِعْلهمْ
وَفِى مُوسَىٰٓ إِذْ أَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿٣٨﴾
"وَفِي مُوسَى" مَعْطُوف عَلَى فِيهَا الْمَعْنَى : وَجَعَلْنَا فِي قِصَّة مُوسَى آيَة "إذْ أَرْسَلْنَاهُ إلَى فِرْعَوْن" مُلْتَبِسًا "بِسُلْطَانٍ مُبِين" بِحُجَّةٍ وَاضِحَة
فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌۭ ﴿٣٩﴾
"فَتَوَلَّى" أَعْرَضَ عَنْ الْإِيمَان "بِرُكْنِهِ" مَعَ جُنُوده لِأَنَّهُمْ لَهُ كَالرُّكْنِ "وَقَالَ" لِمُوسَى هُوَ "سَاحِر أَوْ مَجْنُون"
فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ﴿٤٠﴾
"فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُوده فَنَبَذْنَاهُمْ" طَرَحْنَاهُمْ "فِي الْيَمّ" الْبَحْر فَغَرِقُوا "وَهُوَ" أَيْ فِرْعَوْن "مُلِيم" آتٍ بِمَا يُلَام عَلَيْهِ مِنْ تَكْذِيب الرُّسُل وَدَعْوَى الرُّبُوبِيَّة -
وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴿٤١﴾
"وَفِي" إهْلَاك "عَادٍ" آيَة "إذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيح الْعَقِيم" هِيَ الَّتِي لَا خَيْر فِيهَا لِأَنَّهَا لَا تَحْمِل الْمَطَر وَلَا تُلَقِّح الشَّجَر وَهِيَ الدَّبُور
مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ﴿٤٢﴾
"مَا تَذَر مِنْ شَيْء" نَفْس أَوْ مَال "أَتَتْ عَلَيْهِ إلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ" كَالْبَالِي الْمُتَفَتِّت -
وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا۟ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿٤٣﴾
"وَفِي" إهْلَاك "ثَمُود" آيَة "إذْ قِيلَ لَهُمْ" بَعْد عَقْر النَّاقَة "تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين" إلَى انْقِضَاء آجَالكُمْ كَمَا فِي آيَة
فَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴿٤٤﴾
"فَعَتَوْا" تَكَبَّرُوا "عَنْ أَمْر رَبّهمْ" أَيْ عَنْ امْتِثَاله "فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة" بَعْد مُضِيّ الثَّلَاثَة أَيَّام أَيْ الصَّيْحَة الْمُهْلِكَة "وَهُمْ يَنْظُرُونَ" أَيْ بِالنَّهَارِ
فَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ مِن قِيَامٍۢ وَمَا كَانُوا۟ مُنتَصِرِينَ ﴿٤٥﴾
"فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَام" أَيْ مَا قَدَرُوا عَلَى النُّهُوض حِين نُزُول الْعَذَاب "وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ" عَلَى مَنْ أَهْلَكَهُمْ
وَقَوْمَ نُوحٍۢ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ ﴿٤٦﴾
"وَقَوْم نُوح" بِالْجَرِّ عُطِفَ عَلَى ثَمُود أَيْ وَفِي إهْلَاكهمْ بِمَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْض آيَة وَبِالنَّصْبِ أَيْ وَأَهْلَكْنَا قَوْم نُوح "مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل إهْلَاك هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَيْي۟دٍۢ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٤٧﴾
"وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ" بِقُوَّةٍ "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" قَادِرُونَ يُقَال : آدَ الرَّجُل يَئِيد قَوِيَ وَأَوْسَعَ الرَّجُل : صَارَ ذَا سِعَة وَقُوَّة
وَٱلْأَرْضَ فَرَشْنَٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَٰهِدُونَ ﴿٤٨﴾
"وَالْأَرْض فَرَشْنَاهَا" مَهَّدْنَاهَا "فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ" نَحْنُ
وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٤٩﴾
"وَمِنْ كُلّ شَيْء" مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : خَلَقْنَا "خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ" صِنْفَيْنِ كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالسَّهْل وَالْجَبَل وَالصَّيْف وَالشِّتَاء وَالْحُلْو وَالْحَامِض وَالنُّور وَالظُّلْمَة "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ الْأَصْل فَتَعْلَمُونَ أَنَّ خَالِق الْأَزْوَاج فَرْد فَتَعْبُدُوهُ
فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿٥٠﴾
"فَفِرُّوا إلَى اللَّه" أَيْ إلَى ثَوَابه مِنْ عِقَابه بِأَنْ تُطِيعُوهُ وَلَا تَعْصُوهُ "إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مُبِين" بَيِّن الْإِنْذَار
وَلَا تَجْعَلُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿٥١﴾
"وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّه إلَهًا آخَر إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مُبِين" يُقَدَّر قَبْل فَفِرُّوا قُلْ لَهُمْ
كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٥٢﴾
"كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ رَسُول إلَّا قَالُوا" هُوَ "سَاحِر أَوْ مَجْنُون" أَيْ مِثْل تَكْذِيبهمْ لَك بِقَوْلِهِمْ إنَّك سَاحِر أَوْ مَجْنُون تَكْذِيب الْأُمَم قَبْلهمْ رُسُلهمْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ
أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ طَاغُونَ ﴿٥٣﴾
"أَتَوَاصَوْا بِهِ" كُلّهمْ اسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي "بَلْ هُمْ قَوْم طَاغُونَ" جَمَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْل طُغْيَانهمْ
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍۢ ﴿٥٤﴾
"فَتَوَلَّ" أَعْرِضْ "عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ" لِأَنَّك بَلَّغْتهمْ الرِّسَالَة
وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٥﴾
"وَذَكِّرْ" عِظْ بِالْقُرْآنِ "فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَع الْمُؤْمِنِينَ" مَنْ عَلِمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ يُؤْمِن
وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾
"وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إلَّا لِيَعْبُدُونِ" وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَدَم عِبَادَة الْكَافِرِينَ لِأَنَّ الْغَايَة لَا يَلْزَم وُجُودهَا كَمَا فِي قَوْلك : بَرَيْت هَذَا الْقَلَم لِأَكْتُب بِهِ فَإِنَّك قَدْ لَا تَكْتُب بِهِ
مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍۢ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾
"مَا أُرِيد مِنْهُمْ مِنْ رِزْق" لِي وَلِأَنْفُسِهِمْ وَغَيْرهمْ "وَمَا أُرِيد أَنْ يُطْعِمُونِ" وَلَا أَنْفُسهمْ وَلَا غَيْرهمْ
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴿٥٨﴾
"إنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة الْمَتِين" الشَّدِيد
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًۭا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَٰبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ﴿٥٩﴾
"فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا" أَنْفُسهمْ بِالْكُفْرِ مِنْ أَهْل مَكَّة وَغَيْرهمْ "ذَنُوبًا" نَصِيبًا مِنْ الْعَذَاب "مِثْل ذَنُوب" نَصِيب "أَصْحَابهمْ" الْهَالِكِينَ قَبْلهمْ "فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ" بِالْعَذَابِ إنْ أَخَّرْتهمْ إلَى يَوْم الْقِيَامَة
فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ﴿٦٠﴾
"فَوَيْل" شِدَّة عَذَاب "لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ" فِي "يَوْمِهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" أَيْ يَوْم الْقِيَامَة
مشاركة الموضوع