تفسير ابن كثير

سورة البروج الآية ١٦

فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾
أَيْ مَهْمَا أَرَادَ فِعْله لَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ وَلَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل لِعَظَمَتِهِ وَقَهْره وَحِكْمَته وَعَدْله كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ قِيلَ لَهُ وَهُوَ فِي مَرَض الْمَوْت هَلْ نَظَر إِلَيْك الطَّبِيب ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالُوا فَمَا قَالَ لَك ؟ قَالَ : قَالَ لِي إِنِّي فَعَّال لِمَا أُرِيد .
فعال لما يريد, لا يمتنع عليه شيء يريده.
إن انتقام ربك من أعدائه وعذابه لهم لَعظيم شديد، إنه هو يُبدئ الخلق ثم يعيده، وهو الغفور لمن تاب، كثير المودة والمحبة لأوليائه، صاحب العرشِ المجيدُ الذي بلغ المنتهى في الفضل والكرم، فَعَّال لما يريد، لا يمتنع عليه شيء يريده.
" فَعَّال لِمَا يُرِيد " لَا يُعْجِزهُ شَيْء
وَقَوْله : { فَعَّال لِمَا يُرِيد } يَقُول : هُوَ غَفَّار لِذُنُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَاده إِذَا تَابَ وَأَنَابَ مِنْهَا , مُعَاقِب مَنْ أَصَرَّ عَلَيْهَا وَأَقَامَ , لَا يَمْنَعهُ مَانِع مِنْ فِعْل أَرَادَ أَنْ يَفْعَلهُ , وَلَا يَحُول بَيْنه وَبَيْن ذَلِكَ حَائِل , لِأَنَّ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم .
أَيْ لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء يُرِيدهُ . الزَّمَخْشَرِيّ : " فَعَّال " خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف . وَإِنَّمَا قِيلَ : " فَعَّال " لِأَنَّ مَا يُرِيد وَيَفْعَل فِي غَايَة الْكَثْرَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ رَفْع عَلَى التَّكْرِير وَالِاسْتِئْنَاف ; لِأَنَّهُ نَكِرَة مَحْضَة . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : رَفْع " فَعَّال " وَهِيَ نَكِرَةٌ مَحْضَة عَلَى وَجْه الْإِتْبَاع لِإِعْرَابِ " الْغَفُور الْوَدُود " . وَعَنْ أَبِي السَّفَر قَالَ : دَخَلَ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَعُودُونَهُ فَقَالُوا : أَلَا نَأْتِيك بِطَبِيبٍ ؟ قَالَ : قَدْ رَآنِي ! قَالُوا : فَمَا قَالَ لَك ؟ قَالَ : قَالَ : إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ .
مشاركة الموضوع