تفسير ابن كثير

سورة المطففين الآية ٣٦

هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾
أَيْ هَلْ جُوزِيَ الْكُفَّار عَلَى مَا كَانُوا يُقَابِلُونَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الِاسْتِهْزَاء وَالتَّنْقِيص أَمْ لَا ؟ يَعْنِي قَدْ جُوزُوا أَوْفَر الْجَزَاء وَأَتَمّه وَأَكْمَله . آخِر تَفْسِير سُورَة الْمُطَفِّفِينَ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
هل جوزي الكفار - إذ فعل بهم ذلك- جزاء وفاق ما كانوا يفعلونه في الدنيا من الشرور والآثام؟
على المجالس الفاخرة ينظر المؤمنون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم في الجنة، ومن أعظم ذلك النظر إلى وجه الله الكريم. هل جوزي الكفار - إذ فُعل بهم ذلك- جزاءً وفاق ما كانوا يفعلونه في الدنيا من الشرور والآثام؟
" هَلْ ثُوِّبَ " جُوزِيَ " الْكُفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " نَعَمْ .
وَقَوْله : { هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَلْ أُثِيبَ الْكُفَّار وَجُزُوا ثَوَاب مَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ سُخْرِيَتهمْ مِنْهُمْ , وَضَحِكهمْ بِهِمْ , بِضَحِكِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ فِي الْآخِرَة , وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى الْأَرَائِك يَنْظُرُونَ , وَهُمْ فِي النَّار يُعَذَّبُونَ . و { ثُوِّبَ } فِعْل مِنْ الثَّوَاب وَالْجَزَاء , يُقَال مِنْهُ : ثُوِّبَ فُلَان فُلَانًا عَلَى صَنِيعه , وَأَثَابَهُ مِنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28442 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } قَالَ : جُزِيَ . 28443 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان : { هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } حِين كَانُوا يَسْخَرُونَ . آخِر تَفْسِير سُورَة وَيْل لِلْمُطَفِّفِينَ.
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي أَوَّل سُورَة " الْبَقَرَة " . وَمَعْنَى " هَلْ ثُوِّبَ " أَيْ هَلْ جُوزِيَ بِسُخْرِيَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالْمُؤْمِنِينَ إِذَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ مُتَعَلِّق بِـ " يَنْظُرُونَ " أَيْ يَنْظُرُونَ : هَلْ جُوزِيَ الْكُفَّار ؟ فَيَكُون مَعْنَى هَلْ [ التَّقْرِير ] وَمَوْضِعهَا نَصْبًا بِ " يَنْظُرُونَ " . وَقِيلَ : اِسْتِئْنَاف لَا مَوْضِع لَهُ مِنْ الْإِعْرَاب . وَقِيلَ : هُوَ إِضْمَار عَلَى الْقَوْل , وَالْمَعْنَى ; يَقُول بَعْض الْمُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ : " هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّار " أَيْ أُثِيبَ وَجُوزِيَ . وَهُوَ مِنْ ثَابَ يَثُوب أَيْ رَجَعَ ; فَالثَّوَاب مَا يَرْجِع عَلَى الْعَبْد فِي مُقَابَلَة عَمَله , وَيُسْتَعْمَل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ . خُتِمَتْ السُّورَة وَاَللَّه أَعْلَم .
مشاركة الموضوع