تفسير ابن كثير

سورة المرسلات الآية ٣٩

فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌۭ فَكِيدُونِ ﴿٣٩﴾
تَهْدِيد شَدِيد وَوَعِيد أَكِيد أَيْ إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى أَنْ تَتَخَلَّصُوا مِنْ قَبْضَتِي وَتَنْجُوا مِنْ حُكْمِي فَافْعَلُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ " يَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس إِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَار السَّمَوَات وَالْأَرْض فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى " وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا " وَفِي الْحَدِيث " يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي " .وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : ثَنَا عَلِيّ بْن الْمُنْذِر الطَّرِيقِيّ الْأَوْدِيّ ثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْل ثَنَا حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ حَسَّان بْن أَبِي الْمُخَارِق عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْجَدَلِيّ قَالَ : أَتَيْت بَيْت الْمَقْدِس فَإِذَا عُبَادَة بْن الصَّامِت وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَكَعْب الْأَحْبَار يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْت الْمَقْدِس فَقَالَ عُبَادَة : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَمَعَ اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد يَنْفُذهُمْ وَيُسْمِعهُمْ الدَّاعِي وَيَقُول اللَّه " هَذَا يَوْم الْفَصْل جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْد فَكِيدُونِ " الْيَوْم لَا يَنْجُو مِنِّي جَبَّار عَنِيد وَلَا شَيْطَان مَرِيد فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَإِنَّا نُحَدَّث يَوْمئِذٍ أَنَّهَا تَخْرُج عُنُق مِنْ النَّار فَتَنْطَلِق حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْن ظَهْرَانَيْ النَّاس نَادَتْ : أَيّهَا النَّاس إِنِّي بُعِثْت إِلَى ثَلَاثَة أَنَا أَعْرَف بِهِمْ مِنْ الْأَب بِوَلَدِهِ وَمِنْ الْأَخ بِأَخِيهِ لَا يُغَيِّبهُمْ عَنِّي وِزْر وَلَا تُخْفِيهِمْ عَنِّي خَافِيَة الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَكُلّ جَبَّار عَنِيد وَكُلّ شَيْطَان مَرِيد فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَتَقْذِف بِهِمْ فِي النَّار قَبْل الْحِسَاب بِأَرْبَعِينَ سَنَة .
فإن كان لكم حيلة في الخلاص من العذاب فاحتالوا, وأنقذوا أنفسكم من بطش الله وانتقامه.
هذا يوم يفصل الله فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، جمعناكم فيه -يا معشر كفار هذه الأمة- مع الكفار الأولين من الأمم الماضية، فإن كان لكم حيلة في الخلاص من العذاب فاحتالوا، وأنقذوا أنفسكم مِن بطش الله وانتقامه.
"فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْد" حِيلَة فِي دَفْع الْعَذَاب عَنْكُمْ "فَكِيدُونِ" فَافْعَلُوهَا
يَقُول : وَاَللَّه مُنْجِز لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعِقَاب عَلَى تَكْذِيبكُمْ إِيَّاهُ بِأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ لِهَذَا الْيَوْم إِنْ كَانَتْ لَكُمْ حِيلَة تَحْتَالُونَهَا فِي التَّخَلُّص مِنْ عِقَابه الْيَوْم فَاحْتَالُوا .
أَيْ حِيلَة فِي الْخَلَاص مِنْ الْهَلَاك " فَكِيدُونِي " أَيْ فَاحْتَالُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَقَاوُونِي وَلَنْ تَجِدُوا ذَلِكَ . وَقِيلَ : أَيْ " فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْد " أَيْ قَدَرْتُمْ عَلَى حَرْب " فَكِيدُونِي " أَيْ حَارِبُونِي . كَذَا رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَالَ : يُرِيد كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تُحَارِبُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَارِبُونَنِي فَالْيَوْم حَارِبُونِي . وَقِيلَ : أَيْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي وَقَدْ عَجَزْتُمْ الْآن عَنْهَا وَعَنْ الدَّفْع عَنْ أَنْفُسِكُمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَكُون كَقَوْلِ هُود : " فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ " [ هُود : 55 ] .
مشاركة الموضوع