تفسير ابن كثير

سورة المرسلات الآية ٣٦

وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴿٣٦﴾
أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَام وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فِيهِ لِيَعْتَذِرُوا بَلْ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة وَوَقَعَ الْقَوْل عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ وَعَرَصَات الْقِيَامَة حَالَات وَالرَّبّ تَعَالَى يُخْبِر عَنْ هَذِهِ الْحَالَة تَارَة وَعَنْ هَذِهِ الْحَالَة تَارَة لِيَدُلّ عَلَى شِدَّة الْأَهْوَال وَالزَّلَازِل يَوْمئِذٍ .
ولا يكون لهم إذن في الكلام فيعتذرون لأنه لا عذر لهم.
هذا يوم القيامة الذي لا ينطق فيه المكذبون بكلام ينفعهم، ولا يكون لهم إذن في الكلام فيعتذرون؛ لأنه لا عذر لهم.
"وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ" فِي الْعُذْر "فَيَعْتَذِرُونَ" عَطْف عَلَى يُؤْذَن مِنْ غَيْر تَسَبُّب عَنْهُ فَهُوَ دَاخِل فِي حَيِّز النَّفْي أَيْ لَا إذْن فَلَا اعْتِذَار
{ وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } مِمَّا اِجْتَرَمُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ الذُّنُوب . وَقَوْله : { فَيَعْتَذِرُونَ } رَفْعًا عَطْفًا عَلَى قَوْله : { وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ } وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّصْب وَقَبْله جَحْد , لِأَنَّهُ رَأْس آيَة قُرِنَ بَيْنه وَبَيْن سَائِر رُءُوس الْآيَات الَّتِي قَبْلهَا , وَلَوْ كَانَ جَاءَ نَصْبًا كَانَ جَائِزًا , كَمَا قَالَ : لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا , وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز فِيهِ , أَعْنِي الرَّفْع وَالنَّصْب , كَمَا قِيلَ : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفهُ لَهُ } 2 245 رَفْعًا وَنَصْبًا .
أَيْ إِنَّ يَوْم الْقِيَامَة لَهُ مَوَاطِن وَمَوَاقِيت , فَهَذَا مِنْ الْمَوَاقِيت الَّتِي لَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا , وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فِي الِاعْتِذَار وَالتَّنَصُّل . وَقَالَ الْفَرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " الْفَاء نَسَق أَيْ عَطْف عَلَى " يُؤْذَن " وَأُجِيزَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَوَاخِر الْكَلَام بِالنُّونِ . وَلَوْ قَالَ : فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوَافِق الْآيَات . وَقَدْ قَالَ : " لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا " [ فَاطِر : 36 ] بِالنَّصْبِ وَكُلّه صَوَاب ; وَمِثْله : " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفهُ " [ الْبَقَرَة : 245 ] بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع .
مشاركة الموضوع