تفسير ابن كثير

سورة المرسلات الآية ٣

وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشْرًۭا ﴿٣﴾
هِيَ الرِّيَاح الَّتِي تَنْشُر السَّحَاب فِي آفَاق السَّمَاء كَمَا يَشَاء الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ .
وبالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله,
أقسم الله تعالى بالرياح حين تهب متتابعة يقفو بعضها بعضًا، وبالرياح الشديدة الهبوب المهلكة، وبالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، وبالملائكة التي تنزل من عند الله بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وبالملائكة التي تتلقى الوحي من عند الله وتنزل به على أنبيائه؛ إعذارًا من الله إلى خلقه وإنذارًا منه إليهم؛ لئلا يكون لهم حجة. إن الذي توعدون به مِن أمر يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء لنازلٌ بكم لا محالة.
"وَالنَّاشِرَات نَشْرًا" الرِّيَاح تَنْشُر الْمَطَر
وَقَوْله : { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا : الرِّيح . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27824 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ الْمَسْعُودِيّ , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن مَسْعُود عَنْ { النَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ : الرِّيح . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيّ , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ مُسْلِم , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , قَالَ : سَأَلْت عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , فَذَكَرَ مِثْله . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , قَالَ : سَأَلْت عَبْد اللَّه , فَذَكَرَ مِثْله . 27825 - قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ : الرِّيح . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 27826 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ شُعْبَة , عَنْ إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح صَاحِب الْكَلْبِيّ , فِي قَوْله : { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ : هِيَ الرِّيَاح . 27827 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ : الرِّيَاح . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الْمَطَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27828 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , قَالَ : سَأَلْت أَبَا صَالِح , عَنْ قَوْله { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ الْمَطَر . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ : هِيَ الْمَطَر . * - قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْمَلَائِكَة الَّتِي تَنْشُر الْكُتُب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27829 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن هِشَام , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح { وَالنَّاشِرَات نَشْرًا } قَالَ : الْمَلَائِكَة تَنْشُر الْكُتُب . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَقْسَمَ بِالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا , وَلَمْ يُخَصِّص شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُون شَيْء , فَالرِّيح تَنْشُر السَّحَاب , وَالْمَطَر يَنْشُر الْأَرْض , وَالْمَلَائِكَة تَنْشُر الْكُتُب , وَلَا دَلَالَة مِنْ وَجْه يَجِب التَّسْلِيم لَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ بَعْض دُون بَعْض , فَذَلِكَ عَلَى كُلّ مَا كَانَ نَاشِرًا .
الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلُونَ بِالسُّحُبِ يَنْشُرُونَهَا . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَمُجَاهِد : هِيَ الرِّيَاح يُرْسِلهَا اللَّه تَعَالَى نَشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته ; أَيْ تَنْشُر السَّحَاب لِلْغَيْثِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي صَالِح . وَعَنْهُ أَيْضًا : الْأَمْطَار ; لِأَنَّهَا تَنْشُر النَّبَات , فَالنَّشْر بِمَعْنَى الْإِحْيَاء ; يُقَال : نَشَرَ اللَّه الْمَيِّت وَأَنْشَرَهُ أَيْ أَحْيَاهُ . وَرَوَى عَنْهُ السُّدِّيّ : أَنَّهَا الْمَلَائِكَة تَنْشُر كُتْب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يُرِيد مَا يُنْشَر مِنْ الْكُتُب وَأَعْمَال بَنِي آدَم . الضَّحَّاك : إِنَّهَا الصُّحُف تُنْشَر عَلَى اللَّه بِأَعْمَالِ الْعِبَاد . وَقَالَ الرَّبِيع : إِنَّهُ الْبَعْث لِلْقِيَامَةِ تُنْشَر فِيهِ الْأَرْوَاح . قَالَ : " وَالنَّاشِرَات " بِالْوَاوِ ; لِأَنَّهُ اِسْتِئْنَاف قَسَم آخَر .
مشاركة الموضوع