تفسير ابن كثير

سورة المرسلات الآية ١٩

وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٩﴾
أَيْ وَيْل لِمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَات الدَّالَّة عَلَى عَظَمَة خَالِقهَا ثُمَّ بَعْد هَذَا يَسْتَمِرّ عَلَى تَكْذِيبه وَكُفْره .
هلاك ودمار يوم القيامة لكل مكذب بالتوحيد والنبوة والبعث والحساب.
هلاك وعذاب شديد يوم القيامة لكل مكذِّب بأن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، والنبوةِ والبعث والحساب.
"وَيَلِ يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" تَأْكِيد
{ وَيْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } بِأَخْبَارِ اللَّه الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , الْجَاحِدِينَ قُدْرَته عَلَى مَا يَشَاء .
أَيْ عَذَاب وَخِزْي لِمَنْ كَذَّبَ بِاَللَّهِ وَبِرُسُلِهِ وَكُتُبه وَبِيَوْمِ الْفَصْل فَهُوَ وَعِيد . وَكَرَّرَهُ فِي هَذِهِ السُّورَة عِنْد كُلّ آيَة لِمَنْ كَذَّبَ ; لِأَنَّهُ قَسَمَهُ بَيْنهمْ عَلَى قَدْر تَكْذِيبهمْ , فَإِنَّ لِكُلِّ مُكَذِّب بِشَيْءٍ عَذَابًا سِوَى تَكْذِيبه بِشَيْءٍ آخَر , وَرُبَّ شَيْء كَذَّبَ بِهِ هُوَ أَعْظَم جُرْمًا مِنْ تَكْذِيبه بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَقْبَح فِي تَكْذِيبه , وَأَعْظَم فِي الرَّدّ عَلَى اللَّه , فَإِنَّمَا يُقْسَم لَهُ مِنْ الْوَيْل عَلَى قَدْر ذَلِكَ , وَعَلَى قَدْر وِفَاقه وَهُوَ قَوْله : " جَزَاء وِفَاقًا " . [ النَّبَأ : 26 ] . وَرُوِيَ عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : وَيْل : وَادٍ فِي جَهَنَّم فِيهِ أَلْوَان الْعَذَاب . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِذَا خَبَتْ جَهَنَّم أُخِذَ مِنْ جَمْره فَأُلْقِي عَلَيْهَا فَيَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : [ عُرِضَتْ عَلَيَّ جَهَنَّم فَلَمْ أَرَ فِيهَا وَادِيًا أَعْظَم مِنْ الْوَيْل ] وَرُوِيَ أَنَّهُ مَجْمَع مَا يَسِيل مِنْ قَيْح أَهْل النَّار وَصَدِيدِهِمْ , وَإِنَّمَا يَسِيل الشَّيْء فِيمَا سَفَلَ مِنْ الْأَرْض وَانْفَطَرَ , وَقَدْ عَلِمَ الْعِبَاد فِي الدُّنْيَا أَنَّ شَرّ الْمَوَاضِع فِي الدُّنْيَا مَا اِسْتَنْقَعَ فِيهَا مِيَاه الْأَدْنَاس وَالْأَقْذَار وَالْغُسَالَات مِنْ الْجِيَف وَمَاء الْحَمَّامَات ; فَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِي . مُسْتَنْقَع صَدِيد أَهْل الْكُفْر وَالشِّرْك ; لِيَعْلَم ذَوُو الْعُقُول أَنَّهُ لَا شَيْء أَقْذَر مِنْهُ قَذَارَة , وَلَا أَنْتَن مِنْهُ نَتْنًا , وَلَا أَشَدّ مِنْهُ مَرَارَة , وَلَا أَشَدّ سَوَادًا مِنْهُ ; ثُمَّ وَصَفَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا تَضَمَّنَ مِنْ الْعَذَاب , وَأَنَّهُ أَعْظَم وَادٍ فِي جَهَنَّم , فَذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي وَعِيده فِي هَذِهِ السُّورَة .
مشاركة الموضوع