تفسير ابن كثير

سورة الإنسان الآية ٥

إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍۢ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾
وَقَدْ عُلِمَ مَا فِي الْكَافُور مِنْ التَّبْرِيد وَالرَّائِحَة الطَّيِّبَة مَعَ مَا يُضَاف إِلَى ذَلِكَ مِنْ اللَّذَاذَة فِي الْجَنَّة قَالَ الْحَسَن بَرْد الْكَافُور فِي طِيب الزَّنْجَبِيل .
إن أهل الطاعة والإخلاص الذين يؤدون حق الله, يشربون يوم القيامة من كأس فيها خمر ممزوجة بأحسن أنواع الطيب, وهو ماء الكافور.
إن أهل الطاعة والإخلاص الذين يؤدون حق الله، يشربون يوم القيامة مِن كأس فيها خمر ممزوجة بأحسن أنواع الطيب، وهو ماء الكافور.
"إن الأبرار" جمع بر أو بار وهم المطيعون "يشربون من كأس" هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحال باسم المحل ومن للتبعيض "كان مزاجها" ما تمزج به
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْأَبْرَار يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِطَاعَتِهِمْ رَبّهمْ فِي أَدَاء فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه , يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس , وَهُوَ كُلّ إِنَاء كَانَ فِيهِ شَرَاب .

يَقُول : كَانَ مِزَاج مَا فِيهَا مِنْ الشَّرَاب .

يَعْنِي : فِي طَيِّب رَائِحَتهَا كَالْكَافُورِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْكَافُور اِسْم لِعَيْنِ مَاء فِي الْجَنَّة ; فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ , جَعَلَ نَصْب الْعَيْن عَلَى الرَّدّ عَلَى الْكَافُور , تِبْيَانًا عَنْهُ , وَمَنْ جَعَلَ الْكَافُور صِفَة لِلشَّرَابِ نَصَبَهَا , أَعْنِي الْعَيْن عَنْ الْحَال , وَجَعَلَ خَبَر كَانَ قَوْله { كَافُورًا } , وَقَدْ يَجُوز نَصْب الْعَيْن مِنْ وَجْه ثَالِث , وَهُوَ نَصْبهَا بِإِعْمَالِ يَشْرَبُونَ فِيهَا فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : إِنَّ الْأَبْرَار يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه , مِنْ كَأْس كَانَ مِزَاجهَا كَافُورًا . وَقَدْ يَجُوز أَيْضًا نَصْبهَا عَلَى الْمَدْح , فَأَمَّا عَامَّة أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْكَافُور صِفَة لِلشَّرَابِ عَلَى مَا ذَكَرْت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27714 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مِزَاجهَا كَافُورًا } قَالَ : تُمْزَج . 27715 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الْأَبْرَار يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس كَانَ مِزَاجهَا كَافُورًا } قَالَ : قَوْم تُمْزَج لَهُمْ بِالْكَافُورِ , وَتُخْتَم لَهُمْ بِالْمِسْكِ .
الْأَبْرَار : أَهْل الصِّدْق وَاحِدهمْ بَرّ , وَهُوَ مَنْ اِمْتَثَلَ أَمْر اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : الْبَرّ الْمُوَحِّد وَالْأَبْرَار جَمْع بَارّ مِثْل شَاهِد وَأَشْهَاد , وَقِيلَ : هُوَ جَمْع بَرّ مِثْل نَهْر وَأَنْهَار ; وَفِي الصِّحَاح : وَجَمْع الْبَرّ الْأَبْرَار , وَجَمْع الْبَارّ الْبَرَرَة , وَفُلَان يَبَرّ خَالِقه وَيَتَبَرَّره أَيْ يُطِيعهُ , وَالْأُمّ بَرَّة بِوَلَدِهَا . وَرَوَى اِبْن عُمَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّمَا سَمَّاهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْأَبْرَار لِأَنَّهُمْ بَرُّوا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء , كَمَا أَنَّ لِوَالِدِك عَلَيْك حَقًّا كَذَلِكَ لِوَلَدِك عَلَيْك حَقًّا ) . وَقَالَ الْحَسَن : الْبَرّ الَّذِي لَا يُؤْذِي الذَّرّ . وَقَالَ قَتَادَة : الْأَبْرَار الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقّ اللَّه وَيُوفُونَ بِالنَّذْرِ . وَفِي الْحَدِيث : ( الْأَبْرَار الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ أَحَدًا ) . " يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس " أَيْ مِنْ إِنَاء فِيهِ الشَّرَاب . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد الْخَمْر . وَالْكَأْس فِي اللُّغَة الْإِنَاء فِيهِ الشَّرَاب : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرَاب لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا . قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : صَبَنْت الْكَأْس عَنَّا أُمّ عَمْرو وَكَانَ الْكَأْس مَجْرَاهَا الْيَمِينَا وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : يُقَال صَبَنْتَ عَنَّا الْهَدِيَّة أَوَمَا كَانَ مِنْ مَعْرُوف تَصْبِن صَبْنًا : بِمَعْنَى كَفَفْت ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ .

" كَانَ مِزَاجهَا " أَيْ شَوْبهَا وَخَلْطهَا , قَالَ حَسَّان : كَأَنَّ سَبِيئَة مِنْ بَيْت رَأْس يَكُون مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ وَمِنْهُ مِزَاج الْبَدَن وَهُوَ مَا يُمَازِجُهُ مِنْ الصَّفْرَاء وَالسَّوْدَاء وَالْحَرَارَة وَالْبُرُودَة . " كَافُورًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ اِسْم عَيْن مَاء فِي الْجَنَّة , يُقَال لَهُ عَيْن الْكَافُور . أَيْ يُمَازِجهُ مَاء هَذِهِ الْعَيْن الَّتِي تُسَمَّى كَافُورًا . وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة : تُمْزَج لَهُمْ بِالْكَافُورِ وَتُخْتَم بِالْمِسْكِ . وَقَالَهُ مُجَاهِد . وَقَالَ عِكْرِمَة : مِزَاجهَا طَعْمهَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا الْكَافُور فِي رِيحهَا لَا فِي طَعْمهَا . وَقِيلَ : أَرَادَ كَالْكَافُورِ فِي بَيَاضه وَطِيب رَائِحَته وَبَرْده ; لِأَنَّ الْكَافُور لَا يُشْرَب ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا " [ الْكَهْف : 96 ] أَيْ كَنَارٍ . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : طُيِّبَ بِالْمِسْكِ وَالْكَافُور وَالزَّنْجَبِيل . وَقَالَ مُقَاتِل : لَيْسَ بِكَافُورِ الدُّنْيَا . وَلَكِنْ سَمَّى اللَّه مَا عِنْده بِمَا عِنْدكُمْ حَتَّى تَهْتَدِي لَهَا الْقُلُوب . وَقَوْله : " كَانَ مِزَاجُهَا " " كَانَ " زَائِدَة أَيْ مِنْ كَأْس مِزَاجهَا كَافُور .
مشاركة الموضوع