تفسير ابن كثير

سورة الإنسان الآية ٢٨

نَّحْنُ خَلَقْنَٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَٰلَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿٢٨﴾
" نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرهمْ" قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد يَعْنِي خَلْقهمْ " وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهمْ تَبْدِيلًا " أَيْ وَإِذَا شِئْنَا بَعَثْنَاهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَبَدَّلْنَاهُمْ فَأَعَدْنَاهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا وَهَذَا اِسْتِدْلَال بِالْبُدَاءَةِ عَلَى الرَّجْعَة وَقَالَ اِبْن زَيْد وَابْن جَرِير " وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهمْ تَبْدِيلًا " أَيْ وَإِذَا شِئْنَا أَتَيْنَا بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرهمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " إِنْ يَشَأْ يُذْهِبكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا " وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى" إِنْ يَشَأْ يُذْهِبكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ " .
نحن خلقناهم, وأحكمنا خلقهم, وإذا شئنا أهلكناهم, وجئنا بأطوع لله منهم.
نحن خلقناهم، وأحكمنا خلقهم، وإذا شئنا أهلكناهم، وجئنا بقوم مطيعين ممتثلين لأوامر ربهم.
"نحن خلقناهم وشددنا" قوينا "أسرهم" أعضاءهم ومفاصلهم "وإذا شئنا بدلنا" جعلنا "أمثالهم" في الخلقة بدلا منهم بأن نهلكهم "تبديلا" تأكيد ووقعت إذا موقع إن نحو إن يشأ يذهبكم لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذا لما يقع
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ } هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْمُخَالِفِينَ أَمْره وَنَهْيه .

وَشَدَدْنَا خَلْقهمْ , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ أُسِرَ هَذَا الرَّجُل فَأُحْسِنَ أَسْره , بِمَعْنَى : قَدْ خُلِقَ فَأُحْسِنَ خَلْقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27802 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبَى , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرهمْ } يَقُول : شَدَدْنَا خَلْقهمْ . 27803 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { وَشَدَدْنَا أَسْرهمْ } قَالَ : خَلْقهمْ . 27804 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَشَدَدْنَا أَسْرهمْ } خَلْقهمْ . * - حَدَّثَنَا بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَسْر : الْمَفَاصِل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27805 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , سَمِعْته , يَعْنِي خَلَّادًا يَقُول : سَمِعْت أَبَا سَعِيد , وَكَانَ قَرَأَ الْقُرْآن عَلَى أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : مَا قَرَأْت الْقُرْآن إِلَّا عَلَى أَبِي هُرَيْرَة , هُوَ أَقْرَأَنِي , وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { وَشَدَدْنَا أَسْرهمْ } قَالَ : هِيَ الْمَفَاصِل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْقُوَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27806 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَشَدَدْنَا أَسْرهمْ } قَالَ : الْأَسْر : الْقُوَّة . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْر , هُوَ مَا ذَكَرْت عِنْد الْعَرَب ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَخْطَل : مِنْ كُلّ مُجْتَنَب شَدِيد أَسْره سَلِس الْقِيَاد تَخَالهُ مُخْتَالَا وَمِنْهُ قَوْل الْعَامَّة : خُذْهُ بِأَسْرِهِ : أَيْ هُوَ لَك كُلّه .

وَقَوْله : { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهمْ تَبْدِيلًا } يَقُول : وَإِذَا نَحْنُ شِئْنَا أَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ وَجِئْنَا بِآخَرِينَ سِوَاهُمْ مِنْ جِنْسهمْ أَمْثَالهمْ مِنْ الْخَلْق , مُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي الْعَمَل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27807 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { بَدَّلْنَا أَمْثَالهمْ تَبْدِيلًا } قَالَ : بَنِي آدَم الَّذِينَ خَالَفُوا طَاعَة اللَّه , قَالَ : وَأَمْثَالهمْ مِنْ بَنِي آدَم .
" نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ " أَيْ مِنْ طِين . " وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ " أَيْ خَلْقَهُمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَغَيْرهمْ . وَالْأَسْر الْخَلْق ; قَالَ أَبُو عُبَيْد : يُقَال فَرَس شَدِيد الْأَسْر أَيْ الْخَلْق . وَيُقَال أَسَرَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذَا شَدَّدَ خَلْقه ; قَالَ لَبِيد : سَاهِمُ الْوَجْه شَدِيد أَسْره مُشْرِف الْحَارِك مَحْبُوك الْكَتِد وَقَالَ الْأَخْطَل : مِنْ كُلّ مُجْتَنِب شَدِيد أَسْره سَلِس الْقِيَاد تَخَالهُ مُخْتَالًا وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَالْحَسَن وَالرَّبِيع : شَدَدْنَا مَفَاصِلهمْ وَأَوْصَالهمْ بَعْضهَا إِلَى بَعْض بِالْعُرُوقِ وَالْعَصَب . وَقَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير الْأَسْر : هُوَ الشَّرْج , أَيْ إِذَا خَرَجَ الْغَائِط وَالْبَوْل تَقْبِض الْمَوْضِع . وَقَالَ اِبْن زَيْد الْقُوَّة . وَقَالَ اِبْن أَحْمَر يَصِف فَرَسًا : يَمْشِي بِأَوْظِفَة شِدَاد أَسْرهَا صُمّ السَّنَابِك لَا تَقِي بِالْجَدْجَد وَاشْتِقَاقه مِنْ الْإِسَار وَهُوَ الْقِدّ الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْأَقْتَاب ; يُقَال : أَسَرْت الْقَتَب أَسْرًا أَيْ شَدَدْته وَرَبَطْته ; وَيُقَال : مَا أَحْسَن أَسْر قَتَبه أَيْ شَدّه وَرَبْطه ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : خُذْهُ بِأَسْرِهِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا هُوَ لَك كُلّه ; كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا تَعْكِيمه وَشَدّه لَمْ يُفْتَح وَلَمْ يُنْقَص مِنْهُ شَيْء . وَمِنْهُ الْأَسِير , لِأَنَّهُ كَانَ يُكْتَف بِالْإِسَارِ . وَالْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الِامْتِنَان عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ حِين قَابَلُوهَا بِالْمَعْصِيَةِ . أَيْ سَوَّيْت خَلْقك وَأَحْكَمْته بِالْقُوَى ثُمَّ أَنْتَ تَكْفُر بِي .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَقُول لَوْ نَشَاء لَأَهْلَكْنَاهُمْ وَجِئْنَا بِأَطْوَع لِلَّهِ مِنْهُمْ . وَعَنْهُ أَيْضًا : لَغَيَّرْنَا مَحَاسِنَهُمْ إِلَى أَسْمَج الصُّوَر وَأَقْبَحهَا . كَذَلِكَ رَوَى الضَّحَّاك عَنْهُ . وَالْأَوَّل رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو صَالِح .
مشاركة الموضوع