تفسير ابن كثير

سورة المدثر الآية ٥٠

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌۭ مُّسْتَنفِرَةٌۭ ﴿٥٠﴾
أَيْ كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارهمْ عَنْ الْحَقّ وَإِعْرَاضهمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُر الْوَحْش .
كأنهم حمر وحشية شديدة النفار,
فما لهؤلاء المشركين عن القرآن وما فيه من المواعظ منصرفين؟ كأنهم حمر وحشية شديدة النِّفار، فرَّت من أسد كاسر.
"كَأَنَّهُمْ حُمُر مُسْتَنْفِرَة" وَحْشِيَّة
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَأَنَّهُمْ حُمُر مُسْتَنْفِرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ عَنْ التَّذْكِرَة مُعْرِضِينَ , مُوَلِّينَ عَنْهَا تَوْلِيَة الْحُمُر الْمُسْتَنْفِرَة } { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة } وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مُسْتَنْفِرَة } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة بِكَسْرِ الْفَاء , وَفِي قِرَاءَة بَعْض الْمَكِّيِّينَ أَيْضًا بِمَعْنَى نَافِرَة وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : الْفَتْح وَالْكَسْر فِي ذَلِكَ كَثِيرَانِ فِي كَلَام الْعَرَب ; وَأَنْشَدَ : أَمْسِكْ حِمَارَك إِنَّهُ مُسْتَنْفِر فِي إِثْر أَحْمِرَة عَمَدْنَ لِغُرَّب
" كَأَنَّهُمْ " أَيْ كَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار فِي فِرَارهمْ مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حُمُر مُسْتَنْفِرَة " قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ الْحُمُر الْوَحْشِيَّة .

وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر بِفَتْحِ الْفَاء , أَيْ مُنَفِّرَة مَذْعُورَة ; وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم . الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ , أَيْ نَافِرَة . يُقَال . نَفَرَتْ وَاسْتَنْفَرَتْ بِمَعْنًى ; مِثْل عَجِبْت وَاسْتَعْجَبْت , وَسَخِرْت وَاسْتَسْخَرْت , وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : أَمْسِكْ حِمَارَك إِنَّهُ مُسْتَنْفِر فِي إِثْر أَحْمِرَة عَمَدْنَ لِغُرَّبِ
مشاركة الموضوع