تفسير ابن كثير

سورة المعارج الآية ٥

فَٱصْبِرْ صَبْرًۭا جَمِيلًا ﴿٥﴾
أَيْ اِصْبِرْ يَا مُحَمَّد عَلَى تَكْذِيب قَوْمك لَك وَاسْتِعْجَالهمْ الْعَذَاب اِسْتِبْعَادًا لِوُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ" يَسْتَعْجِل بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقّ " .
فاصبر- يا محمد- على استهزائهم واستعجالهم العذاب, صبرا لا جزع فيه, ولا شكوى منه لغير الله.
فاصبر -أيها الرسول- على استهزائهم واستعجالهم العذاب، صبرًا لا جزع فيه، ولا شكوى منه لغير الله.
"فَاصْبِرْ" وَهَذَا قَبْل أَنْ يُؤْمَر بِالْقِتَالِ "صَبْرًا جَمِيلًا" أَيْ لَا جَزَع فِيهِ
وَقَوْله { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا , يَعْنِي : صَبْرًا لَا جَزَع فِيهِ . يَقُول لَهُ : اصْبِرْ عَلَى أَذَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَك , وَلَا يُثْنِيك مَا تَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ الْمَكْرُوه عَنْ تَبْلِيغ مَا أَمَرَك رَبّك أَنْ تُبَلِّغَهُمْ مِنْ الرِّسَالَة . وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 27037 -حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا } قَالَ : هَذَا حِين كَانَ يَأْمُرهُ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ لَا يُكَافِئهُمْ , فَلَمَّا أَمَرَ بِالْجِهَادِ وَالْغِلْظَة عَلَيْهِمْ أَمَرَ بِالشِّدَّةِ وَالْقَتْل حَتَّى يُتْرَكُوا , وَنُسِخَ هَذَا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْن زَيْد أَنَّهُ كَانَ أُمِرَ بِالْعَفْوِ بِهَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ قَوْل لَا وَجْه لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا دَلَالَة عَلَى صِحَّة مَا قَالَ مِنْ بَعْض الْأَوْجُه الَّتِي تَصِحّ مِنْهَا الدَّعَاوَى , وَلَيْسَ فِي أَمْر اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّبْر الْجَمِيل عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ مَا يُوجِب أَنْ يَكُون ذَلِكَ أَمْرًا مِنْهُ لَهُ بِهِ فِي بَعْض الْأَحْوَال , بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا مِنَ اللَّه لَهُ بِهِ فِي كُلّ الْأَحْوَال ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَدُنْ بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَنْ اخْتَرَمَهُ فِي أَذًى مِنْهُمْ , وَهُوَ فِي كُلّ ذَلِكَ صَابِر عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ أَذًى قَبْل أَنْ يَأْذَن اللَّه لَهُ بِحَرْبِهِمْ , وَبَعْد إِذْنه لَهُ بِذَلِكَ.
أَيْ عَلَى أَذَى قَوْمك . وَالصَّبْر الْجَمِيل : هُوَ الَّذِي لَا جَزَع فِيهِ وَلَا شَكْوَى لِغَيْرِ اللَّه . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ صَاحِب الْمُصِيبَة فِي الْقَوْم لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَقَالَ اِبْن زَيْد : هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف .
مشاركة الموضوع