تفسير ابن كثير

سورة الأعراف الآية ١٨٢

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾
يَقُول تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ " وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَفْتَح لَهُمْ أَبْوَاب الرِّزْق وَوُجُوه الْمَعَاش فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَغْتَرُّوا بِمَا هُمْ فِيهِ وَيَعْتَقِدُوا أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء . كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِر الْقَوْم الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ" .
أي: والذين كذبوا بآيات اللّه, الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, من الهدى, فردوها ولم يقبلوها.
" سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ " بأن اللّه يدر لهم الأرزاق
والذين كذَّبوا بآياتنا، فجحدوها، ولم يتذكروا بها، سنفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، استدراجًا لهم حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، ثم نعاقبهم على غِرَّة من حيث لا يعلمون. وهذه عقوبة من الله على التكذيب بحجج الله وآياته.
"وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" الْقُرْآن مِنْ أَهْل مَكَّة "سَنَسْتَدْرِجُهُمْ" نَأْخُذهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِأَدِلَّتِنَا وَأَعْلَامنَا , فَجَحَدُوهَا وَلَمْ يَتَذَكَّرُوا بِهَا , سَنُمْهِلُهُ بِغِرَّتِهِ وَنُزَيِّن لَهُ سُوء عَمَله , حَتَّى يَحْسَب أَنَّهُ هُوَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ تَكْذِيبه بِآيَاتِ اللَّه إِلَى نَفْسه مُحْسِن , وَحَتَّى يَبْلُغ الْغَايَة الَّتِي كُتِبَ لَهُ مِنْ الْمَهْل , ثُمَّ يَأْخُذهُ بِأَعْمَالِهِ السَّيِّئَة , فَيُجَازِيه بِهَا مِنْ الْعُقُوبَة مَا قَدْ أُعِدَّ لَهُ. وَذَلِكَ اِسْتِدْرَاج اللَّه إِيَّاهُ . وَأَصْل الِاسْتِدْرَاج اِغْتِرَار الْمُسْتَدْرَج بِلُطْفٍ مِنْ حَيْثُ يَرَى الْمُسْتَدْرَج أَنَّ الْمُسْتَدْرَج إِلَيْهِ مُحْسِن حَتَّى يُوَرِّطهُ مَكْرُوهًا . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه فِعْل اللَّه ذَلِكَ بِأَهْلِ الْكُفْر بِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أَنَّهُ سَيَسْتَدْرِجُهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ أَهْل مَكَّة . وَالِاسْتِدْرَاج هُوَ الْأَخْذ بِالتَّدْرِيجِ , مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة . وَالدَّرَج : لَفُّ الشَّيْء ; يُقَال : أَدْرَجْته وَدَرَّجْته . وَمِنْهُ أُدْرِجَ الْمَيِّت فِي أَكْفَانه . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الدَّرَجَة ; فَالِاسْتِدْرَاج أَنْ يَحُطّ دَرَجَة بَعْد دَرَجَة إِلَى الْمَقْصُود . قَالَ الضَّحَّاك : كُلَّمَا جَدَّدُوا لَنَا مَعْصِيَة جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَة . وَقِيلَ لِذِي النُّون : مَا أَقْصَى مَا يُخْدَع بِهِ الْعَبْد ؟ قَالَ : بِالْأَلْطَافِ وَالْكَرَامَات ; لِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : " سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ " نُسْبِغ عَلَيْهِمْ النِّعَم وَنُنْسِيهِمْ الشُّكْر ; وَأَنْشَدُوا : أَحْسَنْت ظَنَّك بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ وَسَالَمَتْك اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْت بِهَا وَعِنْد صَفْو اللَّيَالِي يَحْدُث الْكَدَرُ
مشاركة الموضوع