تفسير ابن كثير

سورة الحاقة الآية ٢٠

إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَٰقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢٠﴾
وَقَوْله تَعَالَى " إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ " أَيْ قَدْ كُنْت مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْم كَائِن لَا مَحَالَة كَمَا قَالَ تَعَالَى " الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبّهمْ " .
إني أيقنت في الدنيا بأني سألقى جزائي يوم القيامة, فأعددت له العدة من الإيمان والعمل الصالح,
فأمَّا من أُعطي كتاب أعماله بيمينه، فيقول ابتهاجًا وسرورًا: خذوا اقرؤوا كتابي، إني أيقنت في الدنيا بأني سألقى جزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإيمان والعمل الصالح، فهو في عيشة هنيئة مرضية، في جنة مرتفعة المكان والدرجات، ثمارها قريبة يتناولها القائم والقاعد والمضطجع. يقال لهم: كلوا أكلا واشربوا شربًا بعيدًا عن كل أذى، سالمين من كل مكروه؛ بسبب ما قدَّمتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.
"إنِّي ظَنَنْت" تَيَقَّنْت
وَقَوْله : { إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } يَقُول : إِنِّي عَلِمْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ إِذَا وَرَدْت يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَبِّي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِنِّي ظَنَنْت } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26979- حَدَّثَنِي عَلِيّ , ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله { إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } يَقُول : أَيْقَنْت . 26980 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } : ظَنَّ ظَنًّا يَقِينًا , فَنَفَعَهُ اللَّه بِظَنِّهِ . 26981 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } قَالَ : إِنَّ الظَّنّ مِنَ الْمُؤْمِن يَقِين , وَإِنَّ " عَسَى " مِنَ اللَّه وَاجِب { فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } 9 18 { فَعَسَى أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ } . 28 67 26982 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ ; ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } قَالَ : مَا كَانَ مِنْ ظَنّ الْآخِرَة فَهُوَ عِلْم. 26983 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كُلّ ظَنّ فِي الْقُرْآن { إِنِّي ظَنَنْت } يَقُول : أَيْ عَلِمْت .
أَيْ أَيْقَنْت وَعَلِمْت , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقِيلَ : أَيْ إِنِّي ظَنَنْت إِنْ يُؤَاخِذْنِي اللَّه بِسَيِّئَاتِي عَذَّبَنِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ وَلَمْ يُؤَاخِذْنِي بِهَا . قَالَ الضَّحَّاك : كُلّ ظَنّ فِي الْقُرْآن مِنْ الْمُؤْمِن فَهُوَ يَقِين . وَمِنْ الْكَافِر فَهُوَ شَكّ . وَقَالَ مُجَاهِد : ظَنّ الْآخِرَة يَقِين , وَظَنّ الدُّنْيَا شَكّ . وَقَالَ الْحَسَن فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَسَاءَ الْعَمَلَ .


أَيْ فِي الْآخِرَة وَلَمْ أُنْكِر الْبَعْثَ ; يَعْنِي أَنَّهُ مَا نَجَا إِلَّا بِخَوْفِهِ مِنْ يَوْم الْحِسَاب , لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ يُحَاسِبهُ فَعَمِلَ لِلْآخِرَةِ .
مشاركة الموضوع