تفسير ابن كثير

سورة القلم الآية ٤٧

أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿٤٧﴾
وَقَوْله تَعَالَى " أَمْ تَسْأَلهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدهمْ الْغَيْب فَهُمْ يَكْتُبُونَ " تَقَدَّمَ تَفْسِيرهمَا فِي سُورَة الطُّور وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّك يَا مُحَمَّد تَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِلَا أَجْر تَأْخُذهُ مِنْهُمْ بَلْ تَرْجُو ثَوَاب ذَلِكَ عِنْد اللَّه تَعَالَى وَهُمْ يَكْذِبُونَ بِمَا جِئْتهمْ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْجَهْل وَالْكُفْر وَالْعِنَاد .
بل أعندهم علم الغيب, فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأنفسهم من أنهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به؟
أم تسأل -أيها الرسول- هؤلاء المشركين أجرا دنيويا على تبليغ الرسالة فهم مِن غرامة ذلك مكلَّفون حِمْلا ثقيلا؟ بل أعندهم علم الغيب، فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأنفسهم مِن أنهم أفضل منزلة عند الله مِن أهل الإيمان به؟
"أَمْ عِنْدهمْ الْغَيْب" أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي فِيهِ الْغَيْب "فَهُمْ يَكْتُبُونَ" مِنْهُ مَا يَقُولُونَ
وَقَوْله : { أَمْ عِنْدهمْ الْغَيْب فَهُمْ يَكْتُبُونَ } يَقُول : أَعِنْدهمْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي فِيهِ نَبَأ مَا هُوَ كَائِن , فَهُمْ يَكْتُبُونَ مِنْهُ مَا فِيهِ , وَيُجَادِلُونَك بِهِ , وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى كُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ أَفْضَل مَنْزِلَة عِنْد اللَّه مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِهِ.
أَيْ عِلْم مَا غَابَ عَنْهُمْ .


وَقِيلَ : أَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الْوَحْي بِهَذَا الَّذِي يَقُولُونَ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : الْغَيْب هُنَا اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مِمَّا فِيهِ يُخَاصِمُونَك بِهِ , وَيَكْتُبُونَ أَنَّهُمْ أَفْضَل مِنْكُمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ . وَقِيلَ : " يَكْتُبُونَ " يَحْكُمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا يُرِيدُونَ .
مشاركة الموضوع