تفسير ابن كثير

سورة التغابن الآية ٣

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿٣﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ " أَيْ بِالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ " وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ " أَيْ أَحْسَنَ أَشْكَالَكُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى" يَا أَيّهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خَلَقَك فَسَوَّاك فَعَدَلَك فِي أَيِّ صُورَة مَا شَاءَ رَكَّبَك " وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى " اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات" الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " وَإِلَيْهِ الْمَصِير " أَيْ الْمَرْجِع وَالْمَآب .
خلق الله السموات والأرض بالحكمة البالغة, وخلقكم في أحسن صورة, إليه المرجع يوم القيمة, فيجازي كلا بعمله.
خلق الله السموات والأرض بالحكمة البالغة، وخلقكم في أحسن صورة، إليه المرجع يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله.
"خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ" إذْ جَعَلَ شَكْل الْآدَمِيّ أَحْسَن الْأَشْكَال
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : خَلَقَ السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرْض بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف , وَصَوَّرَكُمْ : يَقُول : وَمَثَّلَكُمْ فَأَحْسَنَ مَثَلكُمْ , وَقِيلَ : إِنَّهُ عُنِيَ بِذَلِكَ تَصْوِير آدَم , وَخَلْقه إِيَّاهُ بِيَدِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26490 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ } يَعْنِي آدَم خَلَقَهُ بِيَدِهِ .

وَقَوْله : {وَإِلَيْهِ الْمَصِير } يَقُول : وَإِلَى اللَّه مَرْجِع جَمِيعكُمْ أَيّهَا النَّاس.
تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع أَيْ خَلَقَهَا حَقًّا يَقِينًا لَا رَيْب فِيهِ . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى اللَّام أَيْ خَلَقَهَا لِلْحَقِّ وَهُوَ أَنْ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى .

يَعْنِي آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , خَلَقَهُ بِيَدِهِ كَرَامَة , لَهُ ; قَالَهُ مُقَاتِل . الثَّانِي : جَمِيع الْخَلَائِق . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى التَّصْوِير , وَأَنَّهُ التَّخْطِيط وَالتَّشْكِيل . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَحْسَنَ صُوَرهمْ ؟ قِيلَ لَهُ : جَعَلَهُمْ أَحْسَن الْحَيَوَان كُلّه وَأَبْهَاهُ صُورَة بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِنْسَان لَا يَتَمَنَّى أَنْ تَكُون صُورَته عَلَى خِلَاف مَا يَرَى مِنْ سَائِر الصُّوَر . وَمِنْ حُسْن صُورَته أَنَّهُ خُلِقَ مُنْتَصِبًا غَيْر مُنْكَبّ ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [ التِّين : 4 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

أَيْ الْمَرْجِع ; فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ .
مشاركة الموضوع