تفسير ابن كثير

سورة الحديد الآية ١٧

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٧﴾
فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُلِين الْقُلُوب بَعْد قَسْوَتهَا وَيَهْدِي الْحَيَارَى بَعْد ضَلَّتهَا وَيُفَرِّج الْكُرُوب بَعْد شِدَّتهَا فَكَمَا يُحْيِي الْأَرْض الْمَيِّتَة الْمُجْدِبَة الْهَامِدَة بِالْغَيْثِ الْهَتَّان الْوَابِل كَذَلِكَ يَهْدِي الْقُلُوب الْقَاسِيَة بِبَرَاهِين الْقُرْآن وَالدَّلَائِل وَيُولِج إِلَيْهَا النُّور بَعْد أَنْ كَانَتْ مُقْفَلَة لَا يَصِل إِلَيْهَا الْوَاصِل فَسُبْحَان الْهَادِي لِمَنْ يَشَاء بَعْد الضَّلَال وَالْمُضِلّ لِمَنْ أَرَادَ بَعْد الْكَمَال الَّذِي هُوَ لِمَا يَشَاء فَعَّال وَهُوَ الْحَكِيم الْعَدْل فِي جَمِيع الْفِعَال اللَّطِيف الْخَبِير الْكَبِير الْمُتَعَال .
اعلموا أن الله سبحانه وتعالى يحيي الأرض بالمطر بعد موتها, فتخرج النبات, فكذلك الله قادر على إحياء الموتى يوم القيامة, وهو القادر على تليين القلوب بعد قسوتها.
قد بينا لكم دلائل قدرتنا, لعلكم تعقلونها فتتعظوا.
اعلموا أن الله سبحانه وتعالى يحيي الأرض بالمطر بعد موتها، فتُخرِج النبات، فكذلك الله قادر على إحياء الموتى يوم القيامة، وهو القادر على تليين القلوب بعد قسوتها. قد بينَّا لكم دلائل قدرتنا؛ لعلكم تعقلونها فتتعظوا.
"اعْلَمُوا " خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَذْكُورِينَ "أَنَّ اللَّه يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا " بِالنَّبَاتِ فَكَذَلِكَ يَفْعَل بِقُلُوبِكُمْ يَرُدّهَا إلَى الْخُشُوع "قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات" الدَّالَّة عَلَى قُدْرَتنَا بِهَذَا وَغَيْره
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اِعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { اِعْلَمُوا } أَيّهَا النَّاس { أَنَّ اللَّه يُحْيِي الْأَرْض } الْمَيِّتَة الَّتِي لَا تُنْبِت شَيْئًا { بَعْد مَوْتهَا } يَعْنِي : بَعْد دُثُورهَا وَدُرُوسهَا , يَقُول : وَكَمَا نُحْيِي هَذِهِ الْأَرْض الْمَيِّتَة بَعْد دُرُوسهَا , كَذَلِكَ نَهْدِي الْإِنْسَان الضَّالّ عَنْ الْحَقّ إِلَى الْحَقّ , فَنُوَفِّقهُ وَنُسَدِّدهُ لِلْإِيمَانِ حَتَّى يَصِير مُؤْمِنًا مِنْ بَعْد كُفْره , وَمُهْتَدِيًا مِنْ بَعْد ضَلَاله . وَقَوْله : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْأَدِلَّة وَالْحُجَج لِتَعْقِلُوا .
أَيْ " يُحْيِي الْأَرْض " الْجَدْبَة " بَعْد مَوْتهَا " بِالْمَطَرِ . وَقَالَ صَالِح الْمُرِّيّ : الْمَعْنَى يَلِينَ الْقُلُوب بَعْد قَسَاوَتهَا . وَقَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد : يُحْيِيهَا بِالْعَدْلِ بَعْد الْجَوْر . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ يُحْيِي الْكَافِر بِالْهُدَى إِلَى الْإِيمَان بَعْد مَوْته بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالَة . وَقِيلَ : كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّه الْمَوْتَى مِنْ الْأُمَم , وَيُمَيِّز بَيْن الْخَاشِع قَلْبه وَبَيْن الْقَاسِي قَلْبه .

أَيْ إِحْيَاء اللَّه الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا دَلِيل عَلَى قُدْرَة اللَّه , وَأَنَّهُ لَمُحْيِي الْمَوْتَى .
مشاركة الموضوع