تفسير ابن كثير

سورة الواقعة الآية ٥٣

فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴿٥٣﴾
" ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون " وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقْبِضُونَ وَيَسْجُرُونَ حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَر الزَّقُّوم حَتَّى يَمْلَئُوا مِنْهَا بُطُونهمْ .
فمالئون منها بطونكم ; لشدة الجوع,
ثم إنكم أيها الضالون عن طريق الهدى المكذبون بوعيد الله ووعده، لآكلون من شجر من زقوم، وهو من أقبح الشجر، فمالئون منها بطونكم؛ لشدة الجوع، فشاربون عليه ماء متناهيًا في الحرارة لا يَرْوي ظمأ، فشاربون منه بكثرة، كشرب الإبل العطاش التي لا تَرْوى لداء يصيبها.
"فَمَالِئُونَ مِنْهَا" مِنْ الشَّجَر
وَقَوْله : { فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون } يَقُول : فَمَالِئُونَ مِنْ الشَّجَر الزَّقُّوم بُطُونهمْ : وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه تَأْنِيث الشَّجَر فِي قَوْله : { فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون } : أَيْ مِنْ الشَّجَر , { فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ } لِأَنَّ الشَّجَر تُؤَنَّث وَتُذَكَّر , وَأَنَّثَ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الشَّجَرَة لِأَنَّ الشَّجَرَة قَدْ تَدُلّ عَلَى الْجَمِيع , فَتَقُول الْعَرَب : نَبَتَتْ قِبَلنَا شَجَرَة مُرَّة وَبَقْلَة رَدِيئَة , وَهُمْ يَعْنُونَ الْجَمِيع . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة { لَآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم } , وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرَة مِنْ زَقُّوم " عَلَى وَاحِدَة , فَمَعْنَى شَجَر وَشَجَرَة وَاحِد , لِأَنَّك إِذَا قُلْت أَخَذْت مِنْ الشَّاء , فَإِنْ نَوَيْت وَاحِدَة أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَهُوَ جَائِز , ثُمَّ قَالَ : { فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون } يُرِيد مِنْ الشَّجَرَة ; وَلَوْ قَالَ : فَمَالِئُونَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يُذَكِّر الشَّجَر كَانَ صَوَابًا يُذْهِب إِلَى الشَّجَر فِي مِنْهُ , وَيُؤَنِّث الشَّجَر , فَيَكُون مِنْهَا كِنَايَة عَنْ الشَّجَر وَالشَّجَر يُؤَنَّث وَيُذَكَّر , مِثْل التَّمْر يُؤَنَّث وَيُذَكَّر . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا الْقَوْل الثَّانِي , وَهُوَ أَنَّ قَوْله : { فَمَالِئُونَ مِنْهَا } مُرَاد بِهِ مِنْ الشَّجَر أَنَّثَ لِلْمَعْنَى , وَقَالَ { فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ } مُذَكِّرًا لِلَفْظِ الشَّجَر .
أَيْ مِنْ الشَّجَرَة , لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الشَّجَر شَجَرَة . وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مِنْ " الْأُولَى زَائِدَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَفْعُول مَحْذُوفًا كَأَنَّهُ قَالَ : " لَآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم " طَعَامًا . وَقَوْله : " مِنْ زَقُّوم " صِفَة لِشَجَرٍ , وَالصِّفَة إِذَا قَدَّرْت الْجَار زَائِدًا نُصِبَتْ عَلَى الْمَعْنَى , أَوْ جَرَرْت عَلَى اللَّفْظ , فَإِنْ قَدَّرْت الْمَفْعُول مَحْذُوفًا لَمْ تَكُنْ الصِّفَة إِلَّا فِي مَوْضِع جَرّ .
مشاركة الموضوع