تفسير ابن كثير

سورة القمر الآية ٤٣

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌۭ مِّنْ أُو۟لَٰٓئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌۭ فِى ٱلزُّبُرِ ﴿٤٣﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " أَكُفَّاركُمْ " أَيْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُفَّار قُرَيْش " خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ " يَعْنِي مِنْ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرهمْ مِمَّنْ أُهْلِكُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبهمْ الرُّسُل وَكُفْرهمْ بِالْكُتُبِ أَأَنْتُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ ؟ " أَمْ لَكُمْ بَرَاءَة فِي الزُّبُر " أَيْ أَمْ مَعَكُمْ مِنْ اللَّه بَرَاءَة أَنْ لَا يَنَالَكُمْ عَذَاب وَلَا نَكَال ؟ .
أكفاركم- يا معشر قرش- خير من الذين تقلع ذكرهم ممن هلكوا بسبب تكذيبهم, أم لكم براءة من عقب الله في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة؟
أكفاركم- يا معشر قريش- خير مِنَ الذين تقدَّم ذكرهم ممن هلكوا بسبب تكذيبهم، أم لكم براءة مِن عقاب الله في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة؟
"أَكُفَّاركُمْ" يَا قُرَيْش "خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ" الْمَذْكُورِينَ مِنْ قَوْم نُوح إلَى فِرْعَوْن فَلَمْ يُعْذَرُوا "أَمْ لَكُمْ" يَا كُفَّار قُرَيْش "بَرَاءَة" مِنْ الْعَذَاب "فِي الزُّبُر" الْكُتُب وَالِاسْتِفْهَام فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى النَّفْي أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَكُفَّارُكُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِكُفَّارِ قُرَيْش الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ { إِنْ يَرَوْا آيَة يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْر مُسْتَمِرّ } أَكُفَّاركُمْ مَعْشَر قُرَيْش خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ الَّذِينَ أَحْلَلْت بِهِمْ نِقْمَتِي مِنْ قَوْم نُوح وَعَاد وَثَمُود , وَقَوْم لُوط وَآل فِرْعَوْن , فَهُمْ يَأْمُلُونَ أَنْ يَنْجُوا مِنْ عَذَابِي , وَنِقَمِي عَلَى كُفْرهمْ بِي , وَتَكْذِيبكُمْ رَسُولِي . يَقُول : إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي كُفْركُمْ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ , كَبَعْضِ هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي وَصَفْت لَكُمْ أَمْرَهُمْ , وَعُقُوبَة اللَّه بِكُمْ نَازِلَة عَلَى كُفْركُمْ بِهِ , كَالَّذِي نَزَلَ بِهِمْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا وَتُنِيبُوا . كَمَا : 25397 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَكُفَّارُكُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ } : أَيْ مَنْ مَضَى . 25398 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحَسَن , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة { أَكُفَّارُكُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ } يَقُول : أَكُفَّاركُمْ يَا مَعْشَر قُرَيْش خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ الَّذِينَ مَضَوْا . 25399 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَكُفَّاركُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ } يَقُول : أَكُفَّاركُمْ يَا مَعْشَر قُرَيْش خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ الَّذِينَ مَضَوْا . وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّار خَيْر مِنْ أُولَئِكَ . وَقَالَ { أَكُفَّارُكُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ } اسْتَنْفَاهَا . 25400 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ . ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَكُفَّاركُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَة فِي الزُّبُر } يَقُول : لَيْسَ كُفَّارُكُمْ خَيْرًا مِنْ قَوْم نُوح وَقَوْم لُوط. 25401 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع بْن أَنَس { أَكُفَّاركُمْ خَيْر مِنْ أُوْلَئِكُمْ } قَالَ : كُفَّار هَذِهِ الْأُمَّة .

وَقَوْله : { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَة فِي الزُّبُر } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَمْ لَكُمْ بَرَاءَة مِنْ عِقَاب اللَّه مَعْشَر قُرَيْش , أَنْ تُصِيبَكُمْ بِكُفْرِكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ الْوَحْي مِنَ اللَّه فِي الزُّبُر , وَهِيَ الْكُتُب . كَمَا : 25402 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { الزُّبُر } يَقُول : الْكُتُب . 25403 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَة فِي الزُّبُر } فِي كِتَاب اللَّه بَرَاءَة مِمَّا تَخَافُونَ . 25404 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَة فِي الزُّبُر } يَعْنِي فِي الْكُتُب .
خَاطَبَ الْعَرَب . وَقِيلَ : أَرَادَ كُفَّار أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : اِسْتِفْهَام , وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار وَمَعْنَاهُ النَّفْي ; أَيْ لَيْسَ كُفَّاركُمْ خَيْرًا مِنْ كُفَّار مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَم الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِكُفْرِهِمْ .

أَيْ فِي الْكُتُب الْمُنَزَّلَة عَلَى الْأَنْبِيَاء بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُقُوبَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمْ لَكُمْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ بَرَاءَة مِنْ الْعَذَاب .
مشاركة الموضوع