تفسير ابن كثير

سورة الطور الآية ٨

مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍۢ ﴿٨﴾
هَذَا هُوَ الْمُقْسَم عَلَيْهِ أَيْ لَوَاقِع بِالْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى " مَا لَهُ مِنْ دَافِع " أَيْ لَيْسَ لَهُ دَافِع يَدْفَعهُ عَنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّه بِهِمْ ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُوسَى بْن دَاوُد عَنْ صَالِح الْمُرِّيّ عَنْ جَعْفَر بْن زَيْد الْعَبْدِيّ قَالَ خَرَجَ عُمَر يَعُسّ الْمَدِينَة ذَات لَيْلَة فَمَرَّ بِدَارِ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي فَوَقَفَ يَسْتَمِع قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ " وَالطُّور - حَتَّى بَلَغَ إِنَّ عَذَاب رَبّك لَوَاقِع مَا لَهُ مِنْ دَافِع " قَالَ قَسَمٌ وَرَبِّ الْكَعْبَة حَقٌّ فَنَزَلَ عَنْ حِمَاره وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِط فَمَكَثَ مَلِيًّا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِله فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودهُ النَّاس لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَالَ الْإِمَام أَبُو عُبَيْد فِي فَضَائِل الْقُرْآن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صَالِح حَدَّثَنَا هِشَام بْن حَسَّان عَنْ الْحَسَن أَنَّ عُمَر قَرَأَ " إِنَّ عَذَاب رَبّك لَوَاقِع مَا لَهُ مِنْ دَافِع " فَرَبَا لَهَا رَبْوَةً عِيدَ مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا .
ليس له من مانع يمنعه حين وقوعه,
إن عذاب ربك -أيها الرسول- بالكفار لَواقع، ليس له مِن مانع يمنعه حين وقوعه، يوم تتحرك السماء فيختلُّ نظامها وتضطرب أجزاؤها، وذلك عند نهاية الحياة الدنيا، وتزول الجبال عن أماكنها، وتسير كسير السحاب.
"مَا لَهُ مِنْ دَافِع" عَنْهُ
وَقَوْله : { مَا لَهُ مِنْ دَافِع } يَقُول : مَا لِذَلِكَ الْعَذَاب الْوَاقِع بِالْكَافِرِينَ مِنْ دَافِع يَدْفَعهُ عَنْهُمْ , فَيُنْقِذُهُمْ مِنْهُ إِذَا وَقَعَ .
فَكَأَنَّمَا صَدَعَ قَلْبِي , فَأَسْلَمْت خَوْفًا مِنْ نُزُول الْعَذَاب , وَمَا كُنْت أَظُنّ أَنْ أَقُوم مِنْ مَقَامِي حَتَّى يَقَع بِي الْعَذَاب . وَقَالَ هِشَام بْن حَسَّان : اِنْطَلَقْت أَنَا وَمَالِك بْن دِينَار إِلَى الْحَسَن وَعِنْده رَجُل يَقْرَأ " وَالطُّور " حَتَّى بَلَغَ " إِنَّ عَذَاب رَبّك لَوَاقِع . مَا لَهُ مِنْ دَافِع " فَبَكَى الْحَسَن وَبَكَى أَصْحَابه ; فَجَعَلَ مَالِك يَضْطَرِب حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ . وَلَمَّا وُلِّيَ بَكَّار الْقَضَاء جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فَتَوَجَّهَتْ عَلَى أَحَدهمَا الْيَمِين , فَرَغِبَ إِلَى الصُّلْح بَيْنهمَا , وَأَنَّهُ يُعْطِي خَصْمه مِنْ عِنْده عِوَضًا مِنْ يَمِينه فَأَبَى إِلَّا الْيَمِين , فَأَحْلَفَهُ بِأَوَّلِ " وَالطُّور " إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ قُلْ " إِنَّ عَذَاب رَبّك لَوَاقِع " إِنْ كُنْت كَاذِبًا ; فَقَالَهَا فَخَرَجَ فَكُسِرَ مِنْ حِينه .
مشاركة الموضوع