تفسير ابن كثير

سورة الدخان الآية ٣٦

فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴿٣٦﴾
وَهَذِهِ حُجَّة بَاطِلَة وَشُبْهَة فَاسِدَة فَإِنَّ الْمَعَاد إِنَّمَا هُوَ يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي الدَّار الدُّنْيَا بَلْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا " وَذَهَابهَا " وَفَرَاغهَا يُعِيد اللَّه الْعَالَمِينَ خَلْقًا جَدِيدًا وَيَجْعَل الظَّالِمِينَ لِنَارِ جَهَنَّم وَقُودًا يَوْم " تَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .
ويقولون أيضا: فأت- يا محمد أنت ومن معك- بآبائنا الذين قد ماتوا, إن كنتم صادقين في أن الله يبعث من في القبور أحياء.
ويقولون أيضًا: فَأْتِ- يا محمد أنت ومَن معك- بآبائنا الذين قد ماتوا، إن كنتم صادقين في أن الله يبعث مَن في القبور أحياء.
"فَأْتُوا بِآبَائِنَا" أَحْيَاء "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" أَنَّا نُبْعَث بَعْد مَوْتنَا أَيْ نُحْيَا
وَقَوْله : { فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأْتُوا بِآبَائِنَا الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , أَنَّ اللَّه بَاعِثنَا مِنْ بَعْد بِلَانَا فِي قُبُورنَا , وَمُحْيِينَا مِنْ بَعْد مَمَاتنَا , وَخُوطِبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَحْده خِطَاب الْجَمِيع , كَمَا قِيلَ : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء } 65 1 وَكَمَا قَالَ { رَبّ ارْجِعُونِ } 23 99 وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا .
قِيلَ : إِنَّ قَائِل هَذَا مِنْ كُفَّار قُرَيْش أَبُو جَهْل , قَالَ : يَا مُحَمَّد , إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي قَوْلك فَابْعَثْ لَنَا رَجُلَيْنِ مِنْ آبَائِنَا : أَحَدهمَا : قُصَيّ بْن كِلَاب فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَادِقًا ; لِنَسْأَلهُ عَمَّا يَكُون بَعْد الْمَوْت . وَهَذَا الْقَوْل مِنْ أَبِي جَهْل مِنْ أَضْعَف الشُّبُهَات ; لِأَنَّ الْإِعَادَة إِنَّمَا هِيَ لِلْجَزَاءِ لَا لِلتَّكْلِيفِ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي إِعَادَتهمْ لِلْجَزَاءِ فَأَعِدْهُمْ لِلتَّكْلِيفِ . وَهُوَ كَقَوْلِ قَائِل : لَوْ قَالَ إِنْ كَانَ يَنْشَأ بَعْدنَا قَوْم مِنْ الْأَبْنَاء ; فَلِمَ لَا يَرْجِع مَنْ مَضَى مِنْ الْآبَاء ; حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ . ثُمَّ قِيلَ : " فَأْتُوا بِآبَائِنَا " مُخَاطَبَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده ; كَقَوْلِهِ : " رَبّ اِرْجِعُونِ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 99 ] قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقِيلَ : مُخَاطَبَة لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ .
مشاركة الموضوع