تفسير ابن كثير

سورة الزخرف الآية ٦٩

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿٦٩﴾
أَيْ آمَنَتْ قُلُوبهمْ وَبَوَاطِنهمْ وَانْقَادَتْ لِشَرْعِ اللَّه جَوَارِحهمْ وَظَوَاهِرهمْ قَالَ الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة فَإِنَّ النَّاس حِين يُبْعَثُونَ لَا يَبْقَى أَحَد مِنْهُمْ إِلَّا فَزِعَ فَنَادَى مُنَادٍ " يَا عِبَاد لَا خَوْف عَلَيْكُمْ الْيَوْم وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " فَيَرْجُوهَا النَّاس كُلّهمْ قَالَ فَيَتَّبِعهَا " الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ " قَالَ فَيَيْأَس النَّاس مِنْهَا غَيْر الْمُؤْمِنِينَ.
الذين أمنوا بآياتنا وعملوا بما جاءتهم به رسلهم, وكانوا منقادين لله رب العالمين بقلوبهم وجوارحهم,
الذين آمنوا بآياتنا وعملوا بما جاءتهم به رسلهم، وكانوا منقادين لله ربِّ العالمين بقلوبهم وجوارحهم، يقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وقرناؤكم المؤمنون تُنَعَّمون وتُسَرُّون.
"الَّذِينَ آمَنُوا" نَعْت لِعِبَادِي "بِآيَاتِنَا" الْقُرْآن
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } وَقَوْله : { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِكِتَابِ اللَّه وَرُسُله , وَعَمِلُوا بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلهمْ , وَكَانُوا مُسْلِمِينَ , يَقُول : وَكَانُوا أَهْل خُضُوع لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ , وَقَبُول مِنْهُمْ لِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلهمْ عَنْ رَبّهمْ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حُنَفَاء لَا يَهُود وَلَا نَصَارَى , وَلَا أَهْل أَوْثَان .
قَالَ الزَّجَّاج : " الَّذِينَ " نُصِبَ عَلَى النَّعْت ل " عِبَادِي " لِأَنَّ " عِبَادِي " مُنَادَى مُضَاف .

وَقِيلَ : " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَر لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوف أَوْ اِبْتِدَاء وَخَبَره مَحْذُوف ; تَقْدِيره هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا , أَوْ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَال لَهُمْ : " اُدْخُلُوا الْجَنَّة " .

وَذَكَرَ الْمُحَاسِبِيّ فِي الرِّعَايَة : وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمُنَادِي يُنَادِي يَوْم الْقِيَامَة : " يَا عِبَادِ لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " فَيَرْفَع الْخَلَائِق رُءُوسهمْ , يَقُولُونَ : نَحْنُ عِبَاد اللَّه . ثُمَّ يُنَادِي الثَّانِيَة : " الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ " فَيُنَكِّس الْكُفَّار رُءُوسهمْ وَيَبْقَى الْمُوَحَّدُونَ رَافِعِي رُءُوسهمْ . ثُمَّ يُنَادِي الثَّالِث : " الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " [ يُونُس : 63 ] فَيُنَكِّس أَهْل الْكَبَائِر رُءُوسهمْ , وَيَبْقَى أَهْل التَّقْوَى رَافِعِي رُءُوسهمْ , قَدْ أَزَالَ عَنْهُمْ الْخَوْف وَالْحُزْن كَمَا وَعَدَهُمْ ; لِأَنَّهُ أَكْرَم الْأَكْرَمِينَ , لَا يَخْذُل وَلِيّه وَلَا يُسْلِمهُ عِنْد الْهَلَكَة .
مشاركة الموضوع