تفسير ابن كثير

سورة الزخرف الآية ٤٠

أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿٤٠﴾
أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْك إِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وَلَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَيُضِلّ مَنْ يَشَاء وَهُوَ الْحَكَم الْعَدْل فِي ذَلِكَ .
أفأنت- يا محمد- تسمع من أصمه الله عن سماع الحق, أو تهدي إلى طريق الهدى من أعمى قلبه عن إبصاره, أو تهدي من كان في ضلال عن الحق بين واضح؟ ليس ذلك إليك, إنما عليك البلاغ, وليس عليك هداهم, ولكن الله يهدي من يشاء, ويضل من يشاء.
أفأنت -أيها الرسول- تُسمع مَن أصمَّه الله عن سماع الحق، أو تهدي إلى طريق الهدى مَن أعمى قلبه عن إبصاره، أو تهدي مَن كان في ضلال عن الحق بيِّن واضح؟ ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي مَن يشاء، ويضلُّ مَن يشاء.
"أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن أَيْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ } : مَنْ قَدْ سَلَبَهُ اللَّه اسْتِمَاع حُجَجه الَّتِي احْتَجَّ بِهَا فِي هَذَا الْكِتَاب فَأَصَمَّهُ عَنْهُ , أَوْ تَهْدِي إِلَى طَرِيق الْهُدَى مَنْ أَعْمَى اللَّه قَلْبه عَنْ إِبْصَاره , وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَان , فَزَيَّنَ لَهُ الرَّدَى { وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول : أَوْ تَهْدِي مَنْ كَانَ فِي جَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل , سَالِك غَيْر سَبِيل الْحَقّ , قَدْ أَبَانَ ضَلَاله أَنَّهُ عَنْ الْحَقّ زَائِل , وَعَنْ قَصْد السَّبِيل جَائِر : يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْك , إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه الَّذِي بِيَدِهِ صَرْف قُلُوب خَلْقه كَيْفَ شَاءَ , وَإِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر , فَبَلِّغْهُمْ النِّذَارَة .
قَوْله تَعَالَى " أَفَأَنْت تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي " يَا مُحَمَّد " وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين " أَيْ لَيْسَ لَك ذَلِكَ فَلَا يَضِيق صَدْرك إِنْ كَفَرُوا ; فَفِيهِ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ , وَأَنَّ الْهُدَى وَالرُّشْد وَالْخِذْلَان فِي الْقَلْب خَلْق اللَّه تَعَالَى , يُضِلّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء .
مشاركة الموضوع