تفسير ابن كثير

سورة النساء الآية ٦١

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا ﴿٦١﴾
وَقَوْله " وَيَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا " أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْك إِعْرَاضًا كَالْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُشْرِكِينَ " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اِتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِع مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا" وَهَؤُلَاءِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ " إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّه وَرَسُوله لِيَحْكُم بَيْنهمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " الْآيَة .
وإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهديه، أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا.
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه" فِي الْقُرْآن مِنْ الْحُكْم "وَإِلَى الرَّسُول" لِيَحْكُم بَيْنكُمْ "رَأَيْت الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ" يَعْرِضُونَ "عَنْك" إلَى غَيْرك
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ الْمُنَافِقِينَ , وَإِلَى الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك مِنْ أَهْل الْكِتَاب , يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت , { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : تَعَالَوْا هَلُمُّوا إِلَى حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه , { وَإِلَى الرَّسُول } لِيَحْكُم بَيْننَا , { رَأَيْت الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْك } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْمَصِير إِلَيْك لِتَحْكُم بَيْنهمْ , وَيَمْنَعُونَ مِنْ الْمَصِير إِلَيْك كَذَلِكَ غَيْرهمْ صُدُودًا . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج فِي ذَلِكَ بِمَا : 7826 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول } قَالَ : دَعَا الْمُسْلِمُ الْمُنَافِقَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْكُم , قَالَ : رَأَيْت الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا . وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيل قَوْل مَنْ جَعَلَ الدَّاعِي إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيّ وَالْمَدْعُوّ إِلَيْهِ الْمُنَافِق عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ أَقْوَال مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك } فَإِنَّهُ عَلَى مَا بَيَّنْت قَبْل.
" صُدُودًا " اِسْم لِلْمَصْدَرِ عِنْد الْخَلِيل , وَالْمَصْدَر الصَّدّ . وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : هُمَا مَصْدَرَانِ .
مشاركة الموضوع