تفسير ابن كثير

سورة الزمر الآية ٤٥

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٤٥﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذَامًّا لِلْمُشْرِكِينَ أَيْضًا " وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْده " أَيْ إِذَا قِيلَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده " اِشْمَأَزَّتْ قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ " قَالَ مُجَاهِد اِشْمَأَزَّتْ اِنْقَبَضَتْ وَقَالَ السُّدِّيّ نَفَرَتْ وَقَالَ قَتَادَة كَفَرَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ وَقَالَ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم اِسْتَكْبَرَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَسْتَكْبِرُونَ " أَيْ عَنْ الْمُتَابَعَة وَالِانْقِيَاد لَهَا فَقُلُوبهمْ لَا تَقْبَل الْخَيْر وَمَنْ لَمْ يَقْبَل الْخَيْر يَقْبَل الشَّرّ وَلِذَلِكَ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه " أَيْ مِنْ الْأَصْنَام وَالْأَنْدَاد قَالَهُ مُجَاهِد " إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " أَيْ يَفْرَحُونَ وَيُسَرُّونَ .
وإذا ذكر الله وحده نفرت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات, وإذا ذكر الذين من دونه من الأصنام والأوثان والأولياء إذا هم يفرحون؟ لكون الشرك موافقا لأهوائهم.
وإذا ذُكِر الله وحده نفرت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات، وإذا ذُكِر الذين مِن دونه من الأصنام والأوثان والأولياء إذا هم يفرحون؛ لكون الشرك موافقًا لأهوائهم.
"وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْده" أَيْ دُون آلِهَتهمْ "اشْمَأَزَّتْ" نَفَرَتْ وَانْقَبَضَتْ "قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه" أَيْ الْأَصْنَام
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْده اِشْمَأَزَّتْ قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا أُفْرِدَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالذِّكْرِ , فَدُعِيَ وَحْده , وَقِيلَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , اِشْمَأَزَّتْ قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْبَعْث بَعْد الْمَمَات . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { اِشْمَأَزَّتْ } : نَفَرَتْ مِنْ تَوْحِيد اللَّه . { وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه } يَقُول : وَإِذَا ذُكِرَ الْآلِهَة الَّتِي يَدْعُونَهَا مِنْ دُون اللَّه مَعَ اللَّه , فَقِيلَ : تِلْكَ الْغَرَانِيق الْعُلَى , وَإِنَّ شَفَاعَتهَا لَتُرْتَجَى , إِذْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يَسْتَبْشِرُونَ بِذَلِكَ وَيَفْرَحُونَ , كَمَا : 23235 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْده اِشْمَأَزَّتْ قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } : أَيْ نَفَرَتْ قُلُوبهمْ وَاسْتَكْبَرَتْ { وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه } الْآلِهَة { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } 23236 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { اِشْمَأَزَّتْ } قَالَ : اِنْقَبَضَتْ , قَالَ : وَذَلِكَ يَوْم قَرَأَ عَلَيْهِمْ " النَّجْم " عِنْد بَاب الْكَعْبَة . 23237 - مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { اِشْمَأَزَّتْ } قَالَ : نَفَرَتْ { وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونه } أَوْثَانهمْ .
" وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْده " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر عِنْد الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَعَلَى الْحَال عِنْد يُونُس . " اِشْمَأَزَّتْ " قَالَ الْمُبَرِّد : اِنْقَبَضَتْ . وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَقَالَ قَتَادَة : نَفَرَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ وَكَفَرَتْ وَتَعَصَّتْ . وَقَالَ الْمُؤَرِّج أَنْكَرَتْ . وَأَصْل الِاشْمِئْزَاز النُّفُور وَالِازْوِرَار . قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : إِذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اِشْمَأَزَّتْ وَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا وَقَالَ أَبُو زَيْد : اِشْمَأَزَّ الرَّجُل ذُعِرَ مِنْ الْفَزَع وَهُوَ الْمَذْعُور . وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ " لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " نَفَرُوا وَكَفَرُوا .

يَعْنِي الْأَوْثَان حِين أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أَمْنِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد قِرَاءَته سُورَة [ النَّجْم ] تِلْكَ الْغَرَانِيق الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتهمْ تُرْتَجَى . قَالَهُ جَمَاعَة الْمُفَسِّرِينَ .

أَيْ يَظْهَر فِي وُجُوههمْ الْبِشْر وَالسُّرُور .
مشاركة الموضوع