تفسير ابن كثير

سورة الزمر الآية ٢

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿٢﴾
أَيْ فَاعْبُدْ اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَادْعُ الْخَلْق إِلَى ذَلِكَ وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُ لَا تَصْلُح الْعِبَادَة إِلَّا لَهُ وَحْده وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيك وَلَا عَدِيل وَلَا نَدِيد وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " أَيْ لَا يَقْبَل مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا أَخْلَصَ فِيهِ الْعَامِل لِلَّهِ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ .
إنا أنزلنا إليك- يا محمد- القرآن يأمر بالحق والعدل, فاعبد الله وحده, وأخلص له جميع دينك.
إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن يأمر بالحق والعدل، فاعبد الله وحده، وأخلص له جميع دينك.
"إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك" يَا مُحَمَّد "الْكِتَاب بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِأَنْزَل "فَاعْبُدِ اللَّه مُخْلِصًا لَهُ الدِّين" مِنْ الشِّرْك : أَيْ مُوَحِّدًا لَهُ
وَقَوْله : { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك الْكِتَاب بِالْحَقِّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك يَا مُحَمَّد الْكِتَاب , يَعْنِي بِالْكِتَابِ : الْقُرْآن { بِالْحَقِّ } يَعْنِي بِالْعَدْلِ ; يَقُول : أَنْزَلْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن يَأْمُر بِالْحَقِّ وَالْعَدْل , وَمِنْ ذَلِكَ الْحَقّ وَالْعَدْل أَنْ تَعْبُد اللَّه مُخْلِصًا لَهُ الدِّين , لِأَنَّ الدِّين لَهُ لَا لِلْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَمْلِك ضُرًّا وَلَا نَفْعًا . , بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { الْكِتَاب } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23115 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك الْكِتَاب بِالْحَقِّ } يَعْنِي : الْقُرْآن .

وَقَوْله : { فَاعْبُدْ اللَّه مُخْلِصًا لَهُ الدِّين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاخْشَعْ لِلَّهِ يَا مُحَمَّد بِالطَّاعَةِ , وَأَخْلِصْ لَهُ الْأُلُوهَة , وَأَفْرِدْهُ بِالْعِبَادَةِ , وَلَا تَجْعَل لَهُ فِي عِبَادَتك إِيَّاهُ شَرِيكًا , كَمَا فَعَلَتْ عَبَدَة الْأَوْثَان. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23116 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ حَفْص , عَنْ شِمْر , قَالَ : يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْم الْقِيَامَة لِلْحِسَابِ وَفِي صَحِيفَته أَمْثَال الْجِبَال مِنْ الْحَسَنَات , فَيَقُول رَبّ الْعِزَّة جَلَّ وَعَزَّ : صَلَّيْت يَوْم كَذَا وَكَذَا , لِيُقَالَ : صَلَّى فُلَان ! أَنَا اللَّه لَا إِلَه إِلَّا أَنَا , لِيَ الدِّين الْخَالِص . صُمْت يَوْم كَذَا وَكَذَا , لِيُقَالَ : صَامَ فُلَان ! أَنَا اللَّه لَا إِلَه إِلَّا أَنَا لِيَ الدِّين الْخَالِص , تَصَدَّقْت يَوْم كَذَا وَكَذَا , لِيُقَالَ : تَصَدَّقَ فُلَان ! أَنَا اللَّه لَا إِلَه إِلَّا أَنَا لِيَ الدِّين الْخَالِص ; فَمَا يَزَال يَمْحُو شَيْئًا بَعْد شَيْء حَتَّى تَبْقَى صَحِيفَته مَا فِيهَا شَيْء , فَيَقُول مَلَكَاهُ : يَا فُلَان , أَلِغَيْرِ اللَّه كُنْت تَعْمَل . 23117 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , أَمَّا قَوْله : { مُخْلِصًا لَهُ الَّذِي } فَالتَّوْحِيد , وَالدِّين مَنْصُوب بِوُقُوعِ مُخْلِصًا عَلَيْهِ.
أَيْ هَذَا تَنْزِيل الْكِتَاب مِنْ اللَّه وَقَدْ أَنْزَلْنَاهُ بِالْحَقِّ ; أَيْ بِالصِّدْقِ وَلَيْسَ بِبَاطِلٍ وَهَزْل .

" مُخْلِصًا " نَصْب عَلَى الْحَال أَيْ مُوَحِّدًا لَا تُشْرِك بِهِ شَيْئًا قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب النِّيَّة فِي كُلّ عَمَلٍ , وَأَعْظَمُهُ الْوُضُوء الَّذِي هُوَ شَطْر الْإِيمَان , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مَالِك اللَّذَيْنِ يَقُولَانِ إِنَّ الْوُضُوء يَكْفِي مِنْ غَيْر نِيَّة , وَمَا كَانَ لِيَكُونَ مِنْ الْإِيمَان شَطْرًا وَلَا لِيُخْرِجَ الْخَطَايَا مِنْ بَيْن الْأَظَافِر وَالشَّعْر بِغَيْرِ نِيَّة .

أَيْ الطَّاعَة . وَقِيلَ : الْعِبَادَة وَهُوَ مَفْعُول بِهِ .
مشاركة الموضوع