تفسير ابن كثير

سورة الصافات الآية ٥٩

إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٥٩﴾
قَوْله تَعَالَى " أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى " وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ هَذَا مِنْ كَلَام الْمُؤْمِن مُغْتَبِطًا نَفْسه بِمَا أَعْطَاهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْخُلْد فِي الْجَنَّة وَالْإِقَامَة فِي دَار الْكَرَامَة بِلَا مَوْت فِيهَا وَلَا عَذَاب وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْز الْعَظِيم " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الظَّهْرَانِي حَدَّثَنَا حَفْص بْن عُمَر الْعَدَنِيّ حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّة " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " هَنِيئًا " أَيْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا فَعِنْدهَا قَالُوا " أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ " وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَلِمُوا أَنَّ كُلّ نَعِيم فَإِنَّ الْمَوْت يَقْطَعهُ فَقَالُوا " أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ " قِيلَ لَا قَالُوا " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْز الْعَظِيم " .
إلا موتتنا الأولى في الدنيا, وما نحن بمعذبين بعد دخولنا الجنة؟
أحقًا أننا مخلَّدون منعَّمون، فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى في الدنيا، وما نحن بمعذَّبين بعد دخولنا الجنة؟ إنَّ ما نحن فيه من نعيم لهُوَ الظَّفَر العظيم.
"إلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى" أَيْ الَّتِي فِي الدُّنْيَا "وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ" هُوَ اسْتِفْهَام تَلَذُّذ وَتَحَدُّث بِنِعْمَةِ اللَّه تَعَالَى مِنْ تَأْبِيد الْحَيَاة وَعَدَم التَّعْذِيب
يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل هَذَا الْمُؤْمِن الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّه مَا أَعْطَاهُ مِنْ كَرَامَته فِي جَنَّته سُرُورًا مِنْهُ بِمَا أَعْطَاهُ فِيهَا { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى } يَقُول : أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ غَيْر مَوْتَتنَا الْأُولَى فِي الدُّنْيَا .


{ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } يَقُول : وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بَعْد دُخُولنَا الْجَنَّة .
يَكُون اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل وَيَكُون مَصْدَرًا ; لِأَنَّهُ مَنْعُوت . وَهُوَ مِنْ قَوْل أَهْل الْجَنَّة لِلْمَلَائِكَةِ حِين يُذْبَح الْمَوْت , وَيُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود وَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل النَّار خُلُود وَلَا مَوْت . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن عَلَى جِهَة الْحَدِيث بِنِعْمَةِ اللَّه فِي أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُعَذَّبُونَ ; أَيْ هَذِهِ حَالنَا وَصِفَتنَا . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن تَوْبِيخًا لِلْكَافِرِ لِمَا كَانَ يُنْكِرهُ مِنْ الْبَعْث , وَأَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا الْمَوْت فِي الدُّنْيَا .
مشاركة الموضوع