تفسير ابن كثير

سورة فاطر الآية ٣٥

ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ ﴿٣٥﴾
" الَّذِي أَحَلَّنَا دَار الْمُقَامَة مِنْ فَضْله " يَقُولُونَ الَّذِي أَعْطَانَا هَذِهِ الْمَنْزِلَة وَهَذَا الْمَقَام مِنْ فَضْله وَمَنِّهِ وَرَحْمَته لَمْ تَكُنْ أَعْمَالنَا تُسَاوِي ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَنْ يُدْخِل أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّة " قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّه تَعَالَى بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " " لَا يَمَسّنَا فِيهَا نَصَب وَلَا يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوب" أَيْ لَا يَمَسّنَا فِيهَا عَنَاء وَلَا إِعْيَاء وَالنَّصَب وَاللُّغُوب كُلّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَل فِي التَّعَب وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِنَفْيِ هَذَا وَهَذَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا تَعَب عَلَى أَبْدَانهمْ وَلَا أَرْوَاحهمْ وَاَللَّه أَعْلَمُ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْئِبُون أَنْفُسهمْ فِي الْعِبَادَة فِي الدُّنْيَا فَسَقَطَ عَنْهُمْ التَّكْلِيف بِدُخُولِهَا وَصَارُوا فِي رَاحَة دَائِمَة مُسْتَمِرَّة قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّام الْخَالِيَة " .
وهو الذي أنزلنا دار الجنة من فضله, لا يمسنا فيها تعب ولا إعياء.
جنات إقامة دائمة للذين أورثهم الله كتابه يُحلَّون فيها الأساور من الذهب واللؤلؤ، ولباسهم المعتاد في الجنة حرير أي: ثياب رقيقة. وقالوا حين دخلوا الجنة: الحمد لله الذي أذهب عنا كل حَزَن، إن ربنا لغفور؛ حيث غفر لنا الزلات، شكور؛ حيث قبل منا الحسنات وضاعفها. وهو الذي أنزلَنا دار الجنة من فضله، لا يمسنا فيها تعب ولا إعياء.
"الَّذِي أَحَلَّنَا دَار الْمُقَامَة" الْإِقَامَة "مِنْ فَضْله لَا يَمَسّنَا فِيهَا نَصَب" تَعَب "وَلَا يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوب" إعْيَاء مِنْ التَّعَب لِعَدِمِ التَّكْلِيف فِيهَا وَذَكَر الثَّانِي التَّابِع لِلْأَوَّلِ لِلتَّصْرِيحِ بِنَفْيِهِ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَة مِنْ فَضْله لَا يَمَسّنَا فِيهَا نَصَب وَلَا يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الَّذِينَ أُدْخِلُوا الْجَنَّة { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُور شَكُور الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَة } : أَيْ رَبّنَا الَّذِي أَنْزَلَنَا هَذِهِ الدَّارَ , يَعْنُونَ الْجَنَّةَ ; فَدَار الْمُقَامَة : دَار الْإِقَامَة الَّتِي لَا نُقْلَة مَعَهَا , وَلَا تَحَوُّل ; وَالْمِيم إِذَا ضُمَّتْ مِنْ الْمُقَامَة , فَهِيَ مِنَ الْإِقَامَة ; فَإِذَا فُتِحَتْ فَهِيَ مِنَ الْمَجْلِس , وَالْمَكَان الَّذِي يُقَام فِيهِ , قَالَ الشَّاعِر : يَوْمَانِ يَوْم مَقَامَات وَأَنْدِيَة وَيَوْم سَيْر إِلَى الْأَعْدَاء تَأْوِيب وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22195 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَة مِنْ فَضْله } أَقَامُوا فَلَا يَتَحَوَّلُونَ وَقَوْله : { لَا يَمَسّنَا فِيهَا نَصَب } يَقُول : لَا يُصِيبنَا فِيهَا تَعَب وَلَا وَجَع { وَلَا يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوب } يَعْنِي بِاللُّغُوبِ : الْعَنَاءَ وَالْإِعْيَاءَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22196 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُمَيْر , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { لَا يَمَسّنَا فِيهَا نَصَب وَلَا يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوب } قَالَ : اللُّغُوب : الْعَنَاء 22197 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يَمَسّنَا فِيهَا نَصَب } : أَيْ وَجَع
الَّذِينَ يَقُولُونَ " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَن إِنَّ رَبّنَا لَغَفُور شَكُور - إِلَى قَوْله - وَلَا يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوب " . وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ فِي مَقَامه ; يَعْنِي يُكَفَّر عَنْهُ بِمَا يُصِيبهُ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَن , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " [ النِّسَاء : 123 ] يَعْنِي فِي الدُّنْيَا . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَهَذَا التَّأْوِيل أَشْبَهُ بِالظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ قَالَ : " جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا " , وَلِقَوْلِهِ : " الَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادنَا " وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق لَمْ يُصْطَفَوْا . قُلْت : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَثَل الْمُنَافِق الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن مَثَل الرَّيْحَانَة , رِيحُهَا طَيِّب وَطَعْمهَا مُرّ . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُنَافِق يَقْرَؤُهُ , وَأَخْبَرَ الْحَقّ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنَّ الْمُنَافِق فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار , وَكَثِير مِنْ الْكُفَّار وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَهُ فِي زَمَاننَا هَذَا . وَقَالَ مَالِك : قَدْ يَقْرَأ الْقُرْآن مَنْ لَا خَيْر فِيهِ . وَالنَّصَب : التَّعَب . وَاللُّغُوب : الْإِعْيَاء
مشاركة الموضوع