تفسير ابن كثير

سورة الأحزاب الآية ٦٧

وَقَالُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ﴿٦٧﴾
وَقَالَ تَعَالَى : " رُبَمَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ " وَهَكَذَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي حَالَتهمْ هَذِهِ أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا اللَّه وَأَطَاعُوا الرَّسُول فِي الدُّنْيَا " وَقَالُوا رَبّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا " وَقَالَ طَاوُس : سَادَتنَا يَعْنِي الْأَشْرَاف وَكُبَرَاءَنَا يَعْنِي الْعُلَمَاء رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْ اِتَّبَعْنَا السَّادَة وَهُمْ الْأُمَرَاء وَالْكُبَرَاء مِنْ الْمَشْيَخَة وَخَالَفْنَا الرُّسُل وَاعْتَقَدْنَا أَنَّ عِنْدهمْ شَيْئًا وَأَنَّهُمْ عَلَى شَيْء فَإِذَا هُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْء.
وقال الكافرون يوم القيامة: ربنا إنا أطعنا أئمتنا في الضلال وكبراءنا في الشرك, فأزالونا عن طريق الهدى والإيمان.
وقال الكافرون يوم القيامة: ربنا إنا أطَعْنا أئمتنا في الضلال وكبراءنا في الشرك، فأزالونا عن طريق الهُدى والإيمان. ربنا عذِّبهم من العذاب مثلَيْ عذابنا الذي تعذبنا به، واطردهم من رحمتك طردًا شديدًا. وفي هذا دليل على أن طاعة غير الله في مخالفة أمره وأمر رسوله، موجبة لسخط الله وعقابه، وأن التابع والمتبوع في العذاب مشتركون، فليحذر المسلم ذلك.
"وَقَالُوا" أَيْ الْأَتْبَاع مِنْهُمْ "رَبّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتنَا" وَفِي قِرَاءَة سَادَاتنَا جَمْع الْجَمْع "وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا" طَرِيق الْهُدَى
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا رَبّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ الْكَافِرُونَ يَوْم الْقِيَامَة فِي جَهَنَّم : رَبّنَا إِنَّا أَطَعْنَا أَئِمَّتنَا فِي الضَّلَالَة وَكُبَرَاءَنَا فِي الشِّرْك { فَضَلُّونَا السَّبِيلَ } يَقُول : فَأَزَالُونَا عَنْ مَحَجَّة الْحَقّ , وَطَرِيق الْهُدَى , وَالْإِيمَان بِك , وَالْإِقْرَار بِوَحْدَانِيِّتِك , وَإِخْلَاص طَاعَتك فِي الدُّنْيَا { رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَاب } يَقُول : عَذِّبْهُمْ مِنْ الْعَذَاب مِثْلَيْ عَذَابنَا الَّذِي تَعَذَّبْنَا { وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } يَقُول : وَاخْزِهِمْ خِزْيًا كَبِيرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21879 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { رَبّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتنَا وَكُبَرَاءَنَا } أَيْ رُءُوسنَا فِي الشَّرّ وَالشِّرْك . 21880 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا } قَالَ : هُمْ رُءُوس الْأُمَم الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ , قَالَ : سَادَتنَا وَكُبَرَاءَنَا وَاحِد . وَقَرَأَتْ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { سَادَتنَا } . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : " سَادَاتنَا " عَلَى الْجِمَاع , وَالتَّوْحِيدُ فِي ذَلِكَ هِيَ الْقِرَاءَة عِنْدَنَا ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَة قَوْله : { لَعْنًا كَبِيرًا } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار بِالثَّاءِ : " وَكَثِيرًا " مِنَ الْكَثْرَة , سِوَى عَاصِم , فَإِنَّهُ قَرَأَهُ { لَعْنًا كَبِيرًا } مِنَ الْكِبَر , وَالْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالثَّاءِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا .
قَرَأَ الْحَسَن : " سَادَاتِنَا " بِكَسْرِ التَّاء , جَمْع سَادَة . وَكَانَ فِي هَذَا زَجْر عَنْ التَّقْلِيد . وَالسَّادَة جَمْع السَّيِّد , وَهُوَ فَعَلَة , مِثْل كَتَبَة وَفَجَرَة . وَسَادَاتنَا جَمْع الْجَمْع . وَالسَّادَة وَالْكُبَرَاء بِمَعْنًى . وَقَالَ قَتَادَة : هُمْ الْمُطْعِمُونَ فِي غَزْوَة بَدْر . وَالْأَظْهَر الْعُمُوم فِي الْقَادَة وَالرُّؤَسَاء فِي الشِّرْك وَالضَّلَالَة , أَيْ أَطَعْنَاهُمْ فِي مَعْصِيَتك وَمَا دَعَوْنَا إِلَيْهِ

أَيْ عَنْ السَّبِيل وَهُوَ التَّوْحِيد , فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارّ وُصِلَ الْفِعْلُ فَنُصِبَ . وَالْإِضْلَال لَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِنْ غَيْر تَوَسُّط حَرْف الْجَرّ , كَقَوْلِهِ : " لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْر " [ الْفُرْقَان : 29 ]
مشاركة الموضوع