تفسير ابن كثير

سورة لقمان الآية ٣

هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّلْمُحْسِنِينَ ﴿٣﴾
تَقَدَّمَ فِي أَوَّل سُورَة الْبَقَرَة عَامَّة الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِصَدْرِ هَذِهِ السُّورَة وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى جَعَلَ هَذَا الْقُرْآن هُدًى وَشِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُحْسِنِينَ .
هذه الآيات هدى ورحمة للذين أحسنوا العمل بما أنزل الله في القرآن, وما أمرهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه الآيات هدى ورحمة للذين أحسنوا العمل بما أنزل الله في القرآن، وما أمرهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
"هُدًى وَرَحْمَة" بِالرَّفْعِ وَفِي قِرَاءَة الْعَامَّة بِالنَّصْبِ حَالًا مِنْ الْآيَات الْعَامِل فِيهَا مَا فِي "تِلْكَ" مِنْ مَعْنَى الْإِشَارَة
وَقَوْله { هُدًى وَرَحْمَةً } يَقُول : هَذِهِ آيَات الْكِتَاب بَيَانًا وَرَحْمَة مِنْ اللَّه , رَحِمَ بِهِ مَنْ اتَّبَعَهُ , وَعَمِلَ بِهِ مِنْ خَلْقه ; وَبِنَصْبِ الْهُدَى وَالرَّحْمَة عَلَى الْقَطْع مِنْ آيَات الْكِتَاب قَرَأَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار غَيْر حَمْزَة , فَإِنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا عَلَى وَجْه الِاسْتِئْنَاف , إِذْ كَانَ مُنْقَطِعًا عَنْ الْآيَة الَّتِي قَبْلَهَا بِأَنَّهُ ابْتِدَاء آيَة وَأَنَّهُ مَدْح , وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ نُعُوت الْمَعَارِف , وَقَعَ مَوْقِع الْحَال إِذَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى مَدْح أَوْ ذَمّ , وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ صَوَاب عِنْدِي , وَإِنْ كُنْت إِلَى النَّصْب أَمِيل , لِكَثْرَةِ الْقُرَّاء بِهِ .

وَقَوْله : { لِلْمُحْسِنِينَ } وَهُمْ الَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي الْعَمَل بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي هَذَا الْقُرْآن , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الْكِتَاب الْحَكِيم هُدًى وَرَحْمَة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا , فَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ مِنْ أَمْر اللَّه وَنَهْيه
بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال ; مِثْل : " هَذِهِ نَاقَةُ اللَّه لَكُمْ آيَةً " [ الْأَعْرَاف : 73 ] وَهَذِهِ قِرَاءَة الْمَدَنِيِّينَ وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ . وَقَرَأَ حَمْزَة : " هُدًى وَرَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ , وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَإٍ ; لِأَنَّهُ أَوَّل آيَة . وَالْآخَر : أَنْ يَكُون خَبَرَ " تِلْكَ " . وَالْمُحْسِن : الَّذِي يَعْبُد اللَّه كَأَنَّهُ يَرَاهُ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ . وَقِيلَ : هُمْ الْمُحْسِنُونَ فِي الدِّين وَهُوَ الْإِسْلَام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ " [ النِّسَاء : 125 ] الْآيَة .
مشاركة الموضوع