تفسير ابن كثير

سورة الشعراء الآية ٥١

إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥١﴾
وَلِهَذَا قَالُوا " إِنَّا نَطْمَع أَنْ يَغْفِر لَنَا رَبّنَا خَطَايَانَا " أَيْ مَا قَارَفْنَاهُ مِنْ الذُّنُوب وَمَا أَكْرَهْتنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْر " أَنْ كُنَّا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ" أَيْ بِسَبَبِ أَنَّا بَادَرْنَا قَوْمنَا مِنْ الْقِبْط إِلَى الْإِيمَان فَقَتَلَهُمْ كُلّهمْ .
قال السحرة لفرعون: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا، إنا راجعون إلى ربنا فيعطينا النعيم المقيم. إنا نرجو أن يغفر لنا ربنا خطايانا من الشرك وغيره؛ لكوننا أول المؤمنين في قومك.
"إنَّا نَطْمَع" نَرْجُو "أَنْ يَغْفِر لَنَا رَبّنَا خَطَايَانَا أَنْ" أَيْ بِأَنْ "كُنَّا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ" فِي زَمَاننَا
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا نَطْمَع أَنْ يَغْفِر لَنَا رَبّنَا خَطَايَانَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل السَّحَرَة : إِنَّا نَطْمَع : إِنَّا نَرْجُو أَنْ يَصْفَح لَنَا رَبّنَا عَنْ خَطَايَانَا الَّتِي سَلَفَتْ مِنَّا قَبْل إِيمَاننَا بِهِ , فَلَا يُعَاقِبنَا بِهَا . كَمَا : 20218 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا نَطْمَع أَنْ يَغْفِر لَنَا رَبّنَا خَطَايَانَا } قَالَ : السِّحْر وَالْكُفْر الَّذِي كَانُوا فِيهِ.

يَقُول : لِأَنْ كُنَّا أَوَّل مَنْ آمَنَ بِمُوسَى وَصَدَّقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَتَكْذِيب فِرْعَوْن فِي اِدِّعَائِهِ الرُّبُوبِيَّة فِي دَهْرنَا هَذَا وَزَمَاننَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَنْ كُنَّا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : كَانُوا كَذَلِكَ يَوْمئِذٍ أَوَّل مَنْ آمَنَ بِآيَاتِهِ حِين رَأَوْهَا .
" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ لِأَنْ كُنَّا . وَأَجَازَ الْفَرَّاء كَسْرهَا عَلَى أَنْ تَكُون مُجَازَاة . وَمَعْنَى " أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ " أَيْ عِنْد ظُهُور الْآيَة مِمَّنْ كَانَ فِي جَانِب فِرْعَوْن . الْفَرَّاء : أَوَّل مُؤْمِنِي زَمَاننَا . وَأَنْكَرَهُ الزَّجَّاج وَقَالَ : قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ آمَنَ مَعَهُ سِتّمِائَةِ أَلْف وَسَبْعُونَ أَلْفًا , وَهُمْ الشِّرْذِمَة الْقَلِيلُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ فِرْعَوْن : " إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَة قَلِيلُونَ " رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره .
مشاركة الموضوع