تفسير ابن كثير

سورة الشعراء الآية ٣٥

يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿٣٥﴾
فَقَالَ " يُرِيد أَنْ يُخْرِجكُمْ مِنْ أَرْضكُمْ بِسِحْرِهِ " الْآيَة أَيْ أَرَادَ أَنْ يَذْهَب بِقُلُوبِ النَّاس مَعَهُ بِسَبَبِ هَذَا فَيُكَثِّر أَعْوَانه وَأَنْصَاره وَأَتْبَاعه وَيَغْلِبكُمْ عَلَى دَوْلَتكُمْ فَيَأْخُذ الْبِلَاد مِنْكُمْ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ فِيهِ مَاذَا أَصْنَع بِهِ ؟ .
" إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ " موه عليهم لعلمه بضعف عقولهم, أن هذا من جنس ما يأتي به السحرة, لأنه من المتقرر عندهم, أن السحرة يأتون من العجائب, بما لا يقدر عليه الناس, وخوفهم أن قصده بهذا السحر, التوصل إلى إخراجهم من وطنهم, ليجدوا ويجتهدوا في معاداة من يريد إجلاءهم عن أولادهم وديارهم.
" فَمَاذَا تَأْمُرُونَ " أن نفعل به؟
قال فرعون لأشراف قومه خشية أن يؤمنوا: إن موسى لَساحر ماهر، يريد أن يخرجكم بسحره من أرضكم، فأي شيء تشيرون به في شأنه أتبع رأيكم فيه؟
يَقُول : يُرِيد أَنْ يُخْرِج بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَرْضكُمْ إِلَى الشَّأْم بِقَهْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالسِّحْرِ . وَإِنَّمَا قَالَ : يُرِيد أَنْ يُخْرِجكُمْ فَجَعَلَ الْخِطَاب لِلْمَلَإِ حَوْله مِنْ الْقِبْط , وَالْمَعْنَى بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل , لِأَنَّ الْقِبْط كَانُوا قَدْ اِسْتَعْبَدُوا بَنِي إِسْرَائِيل , وَاِتَّخَذُوهُمْ خَدَمًا لِأَنْفُسِهِمْ وَمُهَّانًا , فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ : { يُرِيد أَنْ يُخْرِجكُمْ } وَهُوَ يُرِيد : أَنْ يُخْرِج خَدَمَكُمْ وَعَبِيدكُمْ مِنْ أَرْض مِصْر إِلَى الشَّأْم . وَإِنَّمَا قُلْت مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه إِنَّمَا أَرْسَلَ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن يَأْمُرهُ بِإِرْسَالِ بَنِي إِسْرَائِيل مَعَهُ , فَقَالَ لَهُ وَلِأَخِيهِ { فَأْتِيَا فِرْعَوْن فَقُولَا إِنَّا رَسُول رَبّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيل } .

وَقَوْله : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } يَقُول : فَأَيّ شَيْء تَأْمُرُونَ فِي أَمْر مُوسَى وَمَا بِهِ تُشِيرُونَ مِنْ الرَّأْي فِيهِ ؟
مشاركة الموضوع