تفسير ابن كثير

سورة الشعراء الآية ٢١٠

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ﴿٢١٠﴾
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي لَا يَأْتِيه الْبَاطِل مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفه تَنْزِيل مِنْ حَكِيم حَمِيد أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين الْمُؤَيِّد مِنْ اللَّه " وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين " ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَمْتَنِع عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه أَحَدهَا : أَنَّهُ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَيْ لَيْسَ هُوَ مِنْ بُغْيَتهمْ وَلَا مِنْ طِلْبَتهمْ لِأَنَّ مِنْ سَجَايَاهُمْ الْفَسَاد وَإِضْلَال الْعِبَاد وَهَذَا فِيهِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَنُور وَهُدَى وَبُرْهَان عَظِيم فَبَيْنه وَبَيْن الشَّيَاطِين مُنَافَاة عَظِيمَة .
ولما بين تعالى, كمال القرآن وجلالته, نزهه عن كل صفة نقص, وحماه - وقت نزوله, وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس فقال: " وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ " أي: لا يليق بحالهم ولا يناسبهم " وَمَا يَسْتَطِيعُونَ " ذلك.
وما تَنَزَّلَتْ بالقرآن على محمد الشياطين- كما يزعم الكفرة- ولا يصح منهم ذلك، وما يستطيعونه؛ لأنهم عن استماع القرآن من السماء محجوبون مرجومون بالشهب.
"وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ" بِالْقُرْآنِ "الشَّيَاطِين"
وَقَوْله : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهَذَا الْقُرْآن الشَّيَاطِين عَلَى مُحَمَّد , وَلَكِنَّهُ يَنْزِل بِهِ الرُّوح الْأَمِين . وَالْقُرَّاء مُجْمِعَة عَلَى قِرَاءَة { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين } بِالتَّاءِ وَرَفْع النُّون , لِأَنَّهَا نُون أَصْلِيَّة , وَاحِدهمْ شَيْطَان , كَمَا وَاحِد الْبَسَاتِين بُسْتَان . وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونَ " بِالْوَاوِ , وَذَلِكَ لَحْن , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِنْ كَانَ صَحِيحًا عَنْهُ , أَنْ يَكُون تَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ نَظِير الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَذَلِكَ بَعِيد مِنْ هَذَا .
يَعْنِي الْقُرْآن بَلْ يَنْزِل بِهِ الرُّوح الْأَمِين .
مشاركة الموضوع