تفسير ابن كثير

سورة الشعراء الآية ٢٠٨

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ﴿٢٠٨﴾
وَقَالَ تَعَالَى : " وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله إِذَا تَرَدَّى " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ " وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح " يُؤْتَى بِالْكَافِرِ فَيُغْمَس فِي النَّار غَمْسَة ثُمَّ يُقَال لَهُ هَلْ رَأَيْت خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ رَأَتْ نَعِيمًا قَطُّ ؟ فَيَقُول لَا وَاَللَّه يَا رَبّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاس بُؤْسًا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَيُصْبَغ فِي الْجَنَّة صَبْغَة ثُمَّ يُقَال لَهُ هَلْ رَأَيْت بُؤْسًا قَطُّ ؟ فَيَقُول لَا وَاَللَّه يَا رَبّ " أَيْ مَا كَانَ شَيْئًا كَانَ وَلِهَذَا كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَتَمَثَّل بِهَذَا الْبَيْت : كَأَنَّك لَمْ تُؤْثِر مِنْ الدَّهْر لَيْلَة إِذَا أَنْتَ أَدْرَكْت الَّذِي أَنْتَ تَطْلُب ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَدْله فِي خَلْقه أَنَّهُ مَا أَهْلَكَ أُمَّة مِنْ الْأُمَم إِلَّا بَعْد الْإِعْذَار إِلَيْهِمْ وَالْإِنْذَار لَهُمْ وَبَعْثِهِ الرُّسُل إِلَيْهِمْ وَقِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ " كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا " وَقَالَ تَعَالَى " وَمَا كَانَ رَبّك مُهْلِك الْقُرَى حَتَّى يَبْعَث فِي أُمّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتنَا " - إِلَى قَوْله - " وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ " .
يخبر تعالى عن كمال عدله, في إهلاك المكذبين, وأنه ما أوقع بقرية, هلاكا وعذابا, إلا بعد أن يعذر بهم, ويبعث فيهم النذر بالآيات البينات, فيدعونهم إلى الهدى, وينهونهم عن الردى, ويذكرونهم بآيات الله, وينهونهم على أيامه في نعمه ونقمه.
وما أهلكنا مِن قرية من القرى في الأمم جميعًا، إلا بعد أن نرسل إليهم رسلا ينذرونهم، تذكرة لهم وتنبيهًا على ما فيه نجاتهم، وما كنا ظالمين فنعذب أمة قبل أن نرسل إليها رسولا.
"وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ" رُسُل تُنْذِر أَهْلهَا
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة } مِنْ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي وُصِفَتْ فِي هَذِهِ السُّوَر { إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ } يَقُول : إِلَّا بَعْد إِرْسَالنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا يُنْذِرُونَهُمْ بَأْسنَا عَلَى كُفْرهمْ وَسُخْطنَا عَلَيْهِمْ .
" مِنْ " صِلَة ; الْمَعْنَى : وَمَا أَهْلَكْنَا قَرْيَة .


أَيْ رُسُل .
مشاركة الموضوع