تفسير ابن كثير

سورة الشعراء الآية ٢٠٧

مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يُمَتَّعُونَ ﴿٢٠٧﴾
ثُمَّ جَاءَهُمْ أَمْر اللَّه أَيّ شَيْء يُجْدِي عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ النَّعِيم" كَأَنَّهُمْ يَوْم يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّة أَوْ ضُحَاهَا " وَقَالَ تَعَالَى " يَوَدّ أَحَدهمْ لَوْ يُعَمَّر أَلْف سَنَة وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَاب أَنْ يُعَمَّر " .
" مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ " من اللذات, والشهوات.
أي: أي شيء يغني عنهم, ويفيدهم, وقد مضت اللذات وبطلت, واضمحلت, وأعقبت تبعا لها, وضوعف لهم العذاب عند طول المدة.
القصد أن الحذر, من وقوع العذاب, واستحقاقهم له.
وأما تعجيله وتأخيره, فلا أهمية تحته, ولا جدوى عنده.
ما أغنى عنهم تمتعهم بطول العمر، وطيب العيش، إذا لم يتوبوا من شركهم؟ فعذاب الله واقع بهم عاجلا أم آجلا.
"مَا" اسْتِفْهَامِيَّة بِمَعْنَى : أَيّ شَيْء "أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ" فِي دَفْع الْعَذَاب أَوْ تَخْفِيفه أَيْ : لَمْ يُغْنِ
يَقُول : أَيّ شَيْء أَغْنَى عَنْهُمْ التَّأْخِير الَّذِي أَخَّرْنَا فِي آجَالهمْ , وَالْمَتَاع الَّذِي مَتَّعْنَاهُمْ بِهِ مِنْ الْحَيَاة , إِذْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ شِرْكهمْ , هَلْ زَادَهُمْ تَمْتِيعنَا إِيَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَّا خَبَالًا , وَهَلْ نَفَعَهُمْ شَيْئًا , بَلْ ضَرَّهُمْ بِازْدِيَادِهِمْ مِنْ الْآثَام , وَاكْتِسَابهمْ مِنْ الْإِجْرَام مَا لَوْ لَمْ يُمَتَّعُوا لَمْ يَكْتَسِبُوهُ . 20358 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَفَرَأَيْت إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } إِلَى قَوْله { مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْكُفْر.
" مَا " الْأُولَى اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّقْرِير , وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب " بِأَغْنَى " وَ " مَا " الثَّانِيَة فِي مَوْضِع رَفْع , وَيَجُوز أَنْ تَكُون الثَّانِيَة نَفْيًا لَا مَوْضِع لَهَا . وَقِيلَ : " مَا " الْأُولَى حَرْف نَفْي , وَ " مَا " الثَّانِيَة فِي مَوْضِع رَفْع " بِأَغْنَى " وَالْهَاء الْعَائِدَة مَحْذُوفَة . وَالتَّقْدِير : مَا أَغْنَى عَنْهُمْ الزَّمَان الَّذِي كَانُوا يُمَتَّعُونَهُ . وَعَنْ الزُّهْرِيّ : إِنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز كَانَ إِذَا أَصْبَحَ أَمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأَ : " أَفَرَأَيْت إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ " ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُول : نَهَارك يَا مَغْرُور سَهْو وَغَفْلَة وَلَيْلك نَوْم وَالرَّدَى لَك لَازِم فَلَا أَنْتَ فِي الْأَيْقَاظ يَقْظَان حَازِم وَلَا أَنْتَ فِي النُّوَّام نَاجٍ فَسَالِم تُسَرّ بِمَا يَفْنَى وَتَفْرَح بِالْمُنَى كَمَا سُرَّ بِاللَّذَّاتِ فِي النَّوْم حَالِم وَتَسْعَى إِلَى مَا سَوْفَ تَكْرَه غِبّه كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيش الْبَهَائِم
مشاركة الموضوع