تفسير ابن كثير

سورة الشعراء الآية ١٥٣

قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ﴿١٥٣﴾
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ثَمُود فِي جَوَابهمْ لِنَبِيِّهِمْ صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام حِين دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَة رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ " قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ " قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة يَعْنُونَ مِنْ الْمَسْحُورِينَ وَرَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس " مِنْ الْمُسَحَّرِينَ " يَعْنِي مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَاسْتَشْهَدَ بَعْضهمْ عَلَى هَذَا بِقَوْلِ الشَّاعِر : فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا عَصَافِير مِنْ هَذَا الْأَنَام الْمُسَحَّر يَعْنِي الَّذِينَ لَهُمْ سَحَر وَالسَّحَر هُوَ الرِّئَة وَالْأَظْهَر فِي هَذَا قَوْل مُجَاهِد وَقَتَادَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا أَنْتَ فِي قَوْلك هَذَا مَسْحُور لَا عَقْل لَك .
فلم يفد فيهم هذا النهي والوعظ شيئا, فقالوا لصالح: " إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ " .
أي: قد سحرت, فأنت تهذى, بما لا معنى له.
قالت ثمود لنبيها صالح: ما أنت إلا من الذين سُحروا سِحْرًا كثيرًا، حتى غلب السحر على عقلك. ما أنت إلا فرد مماثل لنا في البشرية من بني آدم، فكيف تتميز علينا بالرسالة؟ فأت بحجة واضحة تدل على ثبوت رسالتك، إن كنت صادقًا في دعواك أن الله أرسلك إلينا.
"قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ" الَّذِينَ سَحَرُوا كَثِيرًا حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلهمْ
وَقَوْله : { إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمَسْحُورِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20318 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ } قَالَ : مِنْ الْمَسْحُورِينَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20319 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ } قَالَ : إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمَسْحُورِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : مِنْ الْمَخْلُوقِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20320 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ } قَالَ : مِنْ الْمَخْلُوقِينَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَكَانَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : كُلّ مَنْ أَكَلَ مِنْ إِنْس أَوْ دَابَّة فَهُوَ مُسَحَّر , وَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ سَحْرًا يَقْرِي مَا أَكَلَ فِيهِ , وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ لَبِيد : فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا عَصَافِير مِنْ هَذَا الْأَنَام الْمُسَحَّر وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ نَحْو هَذَا , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : أُخِذَ مِنْ قَوْلك : اِنْتَفَخَ سَحْرك : أَيْ أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وَالشَّرَاب , فَتُسَحَّر بِهِ وَتُعَلَّل . وَقَالَ : مَعْنَى قَوْل لَبِيد : " مِنْ هَذَا الْأَنَام الْمُسَحَّر " : مِنْ هَذَا الْأَنَام الْمُعَلَّل الْمَخْدُوع . قَالَ : وَيُرْوَى أَنَّ السِّحْر مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ كَالْخَدِيعَةِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْته عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ يُعَلَّلُونَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَاب مِثْلنَا , وَلَسْت رَبًّا وَلَا مَلَكًا فَنُطِيعك , وَنَعْلَم أَنَّك صَادِق فِيمَا تَقُول . وَالْمُسَحَّر : الْمُفَعَّل مِنْ السَّحَرَة , وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَحَرَة
هُوَ مِنْ السِّحْر فِي قَوْل مُجَاهِد وَقَتَادَة عَلَى مَا قَالَ الْمَهْدَوِيّ . أَيْ أُصِبْت بِالسِّحْرِ فَبَطَلَ عَقْلك ; لِأَنَّك بَشَر مِثْلنَا فَلِمَ تَدَّعِ الرِّسَالَة دُوننَا . وَقِيلَ : مِنْ الْمُعَلَّلِينَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَاب ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْكَلْبِيّ وَقَتَادَة وَمُجَاهِد أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ . وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْل مِنْ السَّحْر وَهُوَ الرِّئَة أَيْ بَشَر لَك سَحْر أَيْ رِئَة تَأْكُل وَتَشْرَب مِثْلنَا كَمَا قَالَ لَبِيد : فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا عَصَافِير مِنْ هَذَا الْأَنَام الْمُسَحَّر وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : وَنُسْحَر بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ
مشاركة الموضوع