تفسير ابن كثير

سورة الفرقان الآية ٢٥

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ﴿٢٥﴾
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ هَوْل يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يَكُون فِيهِ مِنْ الْأُمُور الْعَظِيمَة فَمِنْهَا اِنْشِقَاق السَّمَاء وَتَفَطُّرهَا وَانْفِرَاجهَا بِالْغَمَامِ وَهُوَ ظُلَل النُّور الْعَظِيم الَّذِي يُبْهِر الْأَبْصَار وَنُزُول مَلَائِكَة السَّمَوَات يَوْمئِذٍ فَيُحِيطُونَ بِالْخَلَائِقِ فِي مَقَام الْمَحْشَر ثُمَّ يَجِيء الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاء . قَالَ مُجَاهِد وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيهِمْ اللَّه فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة " الْآيَة قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمَّار بْن الْحَارِث حَدَّثَنَا مُؤَمَّل حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة " وَيَوْم تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا" قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَجْمَع اللَّه تَعَالَى الْخَلْق يَوْم الْقِيَامَة فِي صَعِيد وَاحِد الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْبَهَائِم وَالسِّبَاع وَالطَّيْر وَجَمِيع الْخَلْق فَتَنْشَقّ السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَنْزِل أَهْلهَا وَهُمْ أَكْثَر مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَمِنْ جَمِيع الْخَلْق فَيُحِيطُونَ بِالْجِنِّ وَالْإِنْس وَبِجَمِيعِ الْخَلْق ثُمَّ تَنْشَقّ السَّمَاء الثَّانِيَة فَيَنْزِل أَهْلهَا فَيُحِيطُونَ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلهمْ وَبِالْجِنِّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخَلْق وَهُمْ أَكْثَر مِنْ أَهْل السَّمَاء الدُّنْيَا وَمِنْ جَمِيع الْخَلْق ثُمَّ تَنْشَقّ السَّمَاء الثَّالِثَة فَيَنْزِل أَهْلهَا وَهُمْ أَكْثَر مِنْ أَهْل السَّمَاء الثَّانِيَة وَالسَّمَاء الدُّنْيَا وَمِنْ جَمِيع الْخَلْق فَيُحِيطُونَ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلهمْ وَبِالْجِنِّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخَلْق ثُمَّ كَذَلِكَ كُلّ سَمَاء عَلَى ذَلِكَ التَّضْعِيف حَتَّى تَنْشَقّ السَّمَاء السَّابِعَة فَيَنْزِل أَهْلهَا وَهُمْ أَكْثَر مِمَّنْ نَزَلَ قَبْلهمْ مِنْ أَهْل السَّمَوَات وَمِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَمِنْ جَمِيع الْخَلْق فَيُحِيطُونَ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلهمْ مِنْ أَهْل السَّمَوَات وَبِالْجِنِّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخَلْق كُلّهمْ وَيَنْزِل رَبّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام وَحَوْله الْكَرُوبِيُّونَ وَهُمْ أَكْثَر مِنْ أَهْل السَّمَوَات السَّبْع وَمِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخَلْق لَهُمْ قُرُون كَأَكْعُب الْقَنَا وَهُمْ تَحْت الْعَرْش لَهُمْ زَجَل بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل وَالتَّقْدِيس لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا بَيْن أَخْمَص قَدَم أَحَدهمْ إِلَى كَعْبه مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام وَمَا بَيْن كَعْبه إِلَى رُكْبَتَيْهِ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام مَا بَيْن رُكْبَته إِلَى حُجْزَته مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام وَمَا بَيْن حُجْزَته إِلَى تَرْقُوَته مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام وَمَا بَيْن تَرْقُوَته إِلَى مَوْضِع الْقُرْط مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام وَمَا فَوْق ذَلِكَ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام وَجَهَنَّم مُحِسَّة هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِهَذَا السِّيَاق وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنِي الْحَجَّاج عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : إِنَّ هَذِهِ السَّمَاء إِذَا اِنْشَقَّتْ يَنْزِل مِنْهَا مِنْ الْمَلَائِكَة أَكْثَر مِنْ الْإِنْس وَالْجِنّ وَهُوَ يَوْم التَّلَاق يَوْم يَلْتَقِي أَهْل السَّمَاء وَأَهْل الْأَرْض فَيَقُول أَهْل الْأَرْض جَاءَ رَبّنَا ؟ فَيَقُولُونَ لَمْ يَجِئْ وَهُوَ آتٍ ثُمَّ تَنْشَقّ السَّمَاء الثَّانِيَة ثُمَّ سَمَاء سَمَاء عَلَى قَدْر ذَلِكَ مِنْ التَّضْعِيف إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَيَنْزِل مِنْهَا مِنْ الْمَلَائِكَة أَكْثَر مِنْ جَمِيع مَنْ نَزَلَ مِنْ السَّمَوَات وَمِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ فَتَنْزِل الْمَلَائِكَة الْكَرُوبِيُّونَ ثُمَّ يَأْتِي رَبّنَا فِي حَمَلَة الْعَرْش الثَّمَانِيَة بَيْن كَعْب كُلّ مَلَك وَرُكْبَته مَسِيرَة سَبْعِينَ سَنَة وَبَيْن فَخِذه وَمَنْكِبه مَسِيرَة سَبْعِينَ سَنَة قَالَ وَكُلّ مَلَك مِنْهُمْ لَمْ يَتَأَمَّل وَجْه صَاحِبه وَكُلّ مَلَك مِنْهُمْ وَاضِع رَأْسه بَيْن ثَدْيَيْهِ يَقُول سُبْحَان الْمَلِك الْقُدُّوس وَعَلَى رُءُوسهمْ شَيْء مَبْسُوط كَأَنَّهُ الْقَنَا وَالْعَرْش فَوْق ذَلِكَ ثُمَّ وَقَفَ فَمَدَاره عَلَى عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان وَفِيهِ ضَعْف فِي سِيَاقَاته غَالِبًا وَفِيهَا نَكَارَة شَدِيدَة وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيث الصُّور الْمَشْهُور قَرِيب مِنْ هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَيَوْمئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَة وَانْشَقَّتْ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمئِذٍ وَاهِيَة وَالْمَلَك عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِل عَرْش رَبّك فَوْقهمْ يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة " قَالَ شَهْر بْن حَوْشَب حَمَلَة الْعَرْش ثَمَانِيَة أَرْبَعَة مِنْهُمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَك الْحَمْد عَلَى حِلْمك بَعْد عِلْمك وَأَرْبَعَة يَقُولُونَ : سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَك الْحَمْد عَلَى عَفْوك بَعْد قُدْرَتك رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْهُ وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد اللَّه إِذَا نَظَرَ أَهْل الْأَرْض إِلَى الْعَرْش يَهْبِط عَلَيْهِمْ مَنْ فَوْقهمْ شَخَصَتْ إِلَيْهِ أَبْصَارهمْ وَرَجَفَتْ كُلَاهُمْ فِي أَجْوَافهمْ وَطَارَتْ قُلُوبهمْ مِنْ مَقَرّهَا مِنْ صُدُورهمْ إِلَى حَنَاجِرهمْ قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ عَبْد الْجَلِيل عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : يَهْبِط اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حِين يَهْبِط وَبَيْنه وَبَيْن خَلْقه سَبْعُونَ أَلْف حِجَاب مِنْهَا النُّور وَالظُّلْمَة فَيَضْرِب الْمَاء فِي تِلْكَ الظُّلْمَة صَوْتًا تَنْخَلِع لَهُ الْقُلُوب وَهَذَا مَوْقُوف عَلَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ كَلَامه وَلَعَلَّهُ مِنْ الزَّامِلَتَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم.
يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة, وما فيه من الشدة والكروب, ومزعجات القلوب فقال: " وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ " وذلك الغمام الذي ينزل الله فيه, من فوق السماوات, فتنفطر له السماوات, وتشقق, وتنزل الملائكة كل سماء, فيقفون صفا صفا, إما صفا واحدا محيطا بالخلائق, وإما كل سماء, يكونون صفا, ثم السماء التي تليها صفا وهكذا.
القصد أن الملائكه - على كثرتهم وقوتهم - ينزلون محيطين بالخلق, مدعنين لأمر ربهم, لا يتكلم منهم أحد, إلا بإذن من الله.
فما ظنك بالآدمي الضعيف, خصوصا, الذي بارز مالكه بالعظائم, وأقدم على مساخطه, ثم قدم عليه بذنوب وخطايا, لم يتب منها, فيحكم فيه الملك الخلاق, بالحكم الذي لا يجور, ولا يظلم مثقال ذرة, ولهذا قال: " وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا " لصعوبته الشديدة, وتعسر أموره عليه.
بخلاف المؤمن, فإنه يسير عليه, خفيف الحمل.
" يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا "
واذكر - أيها الرسول - ذلك اليوم الذي تتشقق فيه السماء، ويظهر من فتحاتها السحاب الأبيض الرقيق، وينزل الله ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في المحشر، ويأتي الله تبارك وتعالى لفصل القضاء بين العباد، إتيانًا يليق بجلاله.
"وَيَوْم تَشَقَّق السَّمَاء" أَيْ كُلّ سَمَاء "بِالْغَمَامِ" أَيْ مَعَهُ وَهُوَ غَيْم أَبْيَض "وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة" مِنْ كُلّ سَمَاء "تَنْزِيلًا" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَنَصْبه بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا وَفِي قِرَاءَة بِتَشْدِيدِ شِين تَشَقَّق بِإِدْغَامِ التَّاء الثَّانِيَة فِي الْأَصْل فِيهَا وَفِي أُخْرَى : نُنْزِل بِنُونَيْنِ الثَّانِيَة سَاكِنَة وَضَمّ اللَّام وَنَصْب الْمَلَائِكَة
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم تَشَقَّق السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا } اخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { تَشَقَّق } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز : " وَيَوْم تَشَّقَّق " بِتَشْدِيدِ الشِّين بِمَعْنَى : تَتَشَقَّق , فَأَدْغَمُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الشِّين فَشَدَّدُوهَا , كَمَا قَالَ : { لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى } 37 8 وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : { وَيَوْم تَشَقَّق } بِتَخْفِيفِ الشِّين وَالِاجْتِزَاء بِإِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب وَتَأْوِيل الْكَلَام : وَيَوْم تَشَقَّق السَّمَاء عَنِ الْغَمَام . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ غَمَام أَبْيَض مِثْل الْغَمَام الَّذِي ظَلَّلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَجُعِلَتِ الْبَاء , فِي قَوْله : { بِالْغَمَامِ } مَكَان " عَنْ " كَمَا تَقُول : رَمَيْت عَنِ الْقَوْس وَبِالْقَوْسِ , وَعَلَى الْقَوْس , بِمَعْنًى وَاحِد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19981 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَيَوْم تَشَقَّق السَّمَاء بِالْغَمَامِ } قَالَ : هُوَ الَّذِي قَالَ : { فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَام } 2 210 الَّذِي يَأْتِي اللَّه فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ قَطُّ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيل . قَالَ ابْن جُرَيْج : الْغَمَام الَّذِي يَأْتِي اللَّه فِيهِ غَمَام زَعَمُوا فِي الْجَنَّة . 19982 - قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ عَبْد الْجَلِيل , عَنْ أَبِي حَازِم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : يَهْبِط اللَّه حِين يَهْبِط , وَبَيْنه وَبَيْن خَلْقه سَبْعُونَ حِجَابًا , مِنْهَا النُّور وَالظُّلْمَة وَالْمَاء , فَيُصَوِّت الْمَاء صَوْتًا تَنْخَلِع لَهُ الْقُلُوب . 19983 - قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { يَأْتِيهِمْ اللَّه فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة } يَقُول : وَالْمَلَائِكَة حَوْله . 19984 - قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان , عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان , أَنَّهُ سَمِعَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إِنَّ هَذِهِ السَّمَاء إِذَا انْشَقَّتْ نَزَلَ مِنْهَا مِنَ الْمَلَائِكَة أَكْثَر مِنَ الْجِنّ وَالْإِنْس , وَهُوَ يَوْم التَّلَاق , يَوْم يَلْتَقِي أَهْل السَّمَاء وَأَهْل الْأَرْض , فَيَقُول أَهْل الْأَرْض : جَاءَ رَبّنَا , فَيَقُولُونَ : لَمْ يَجِئْ وَهُوَ آتٍ , ثُمَّ تَتَشَقَّق السَّمَاء الثَّانِيَة , ثُمَّ سَمَاء سَمَاء عَلَى قَدْر ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيف إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة , فَيَنْزِل مِنْهَا مِنْ الْمَلَائِكَة أَكْثَر مِنْ جَمِيع مَنْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاوَات وَمِنَ الْجِنّ وَالْإِنْس . قَالَ : فَتَنْزِل الْمَلَائِكَة الْكَرُوبِيُّونَ , ثُمَّ يَأْتِي رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي حَمَلَة الْعَرْش الثَّمَانِيَة بَيْن كَعْب كُلّ مَلَك وَرُكْبَته مَسِيرَة سَبْعِينَ سَنَة , وَبَيْن فَخِذه وَمَنْكِبه مَسِيرَة سَبْعِينَ سَنَة , قَالَ : وَكُلّ مَلَك مِنْهُمْ لَمْ يَتَأَمَّل وَجْه صَاحِبه , وَكُلّ مَلَك مِنْهُمْ وَاضِع رَأْسه بَيْن ثَدْيَيْهِ يَقُول : سُبْحَان الْمَلِك الْقُدُّوس , وَعَلَى رُءُوسهمْ شَيْء مَبْسُوط كَأَنَّهُ الْقَبَاء , وَالْعَرْش فَوْق ذَلِكَ , ثُمَّ وَقَفَ . 19985 - قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ هَارُون بْن وَثَّاب , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , قَالَ : حَمَلَة الْعَرْش ثَمَانِيَة , فَأَرْبَعَة مِنْهُمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك , لَك الْحَمْد عَلَى حِلْمك بَعْد عِلْمك , وَأَرْبَعَة يَقُولُونَ : سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك , لَك الْحَمْد عَلَى عَفْوك بَعْد قُدْرَتك . 19986 - قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : إِذَا نَظَرَ أَهْل الْأَرْض إِلَى الْعَرْش يَهْبِط عَلَيْهِمْ , فَوْقهمْ شَخَصَتْ إِلَيْهِ أَبْصَارهمْ , وَرَجَفَتْ كُلَاهُمْ فِي أَجْوَافهمْ , قَالَ : وَطَارَتْ قُلُوبهمْ مِنْ مَقَرّهَا فِي صُدُورهمْ إِلَى حَنَاجِرهمْ . 19987 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَيَوْم تَشَقَّق السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا } يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة حِين تَشَقَّق السَّمَاء بِالْغَمَامِ , وَتَنْزِل الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا . وَقَوْله : { وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا } يَقُول : وَنَزَلَ الْمَلَائِكَة إِلَى الْأَرْض تَنْزِيلًا
أَيْ وَاذْكُرْ يَوْم تَشَقَّق السَّمَاء بِالْغَمَامِ . وَقَرَأَهُ عَاصِم وَالْأَعْمَش وَيَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَأَبُو عَمْرو : " تَشَقَّق " بِتَخْفِيفِ الشِّين وَأَصْله تَتَشَقَّق بِتَاءَيْنِ فَحَذَفُوا الْأُولَى تَخْفِيفًا , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . الْبَاقُونَ " تَشَّقَّق " بِتَشْدِيدِ الشِّين عَلَى الِادِّغَام , وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم . وَكَذَلِكَ فِي " ق " . " بِالْغَمَامِ " أَيْ عَنْ الْغَمَام . وَالْبَاء وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ ; كَمَا تَقُول : رَمَيْت بِالْقَوْسِ وَعَنْ الْقَوْس . رُوِيَ أَنَّ السَّمَاء تَتَشَقَّق عَنْ سَحَاب أَبْيَض رَقِيق مِثْل الضَّبَابَة , وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيل فِي تِيههمْ فَتَنْشَقّ السَّمَاء عَنْهُ ; وَهُوَ الَّذِي قَالَ تَعَالَى : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيهِمْ اللَّه فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام " [ الْبَقَرَة : 210 ] .

مِنْ السَّمَوَات , وَيَأْتِي الرَّبّ جَلَّ وَعَزَّ فِي الثَّمَانِيَة الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْش لِفَصْلِ الْقَضَاء , عَلَى مَا يَجُوز أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ إِتْيَانه ; لَا عَلَى مَا تُحْمَل عَلَيْهِ صِفَات الْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْحَرَكَة وَالِانْتِقَال . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَتَشَقَّق سَمَاء الدُّنْيَا فَيَنْزِل أَهْلهَا وَهُمْ أَكْثَر مِمَّنْ فِي الْأَرْض مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس , ثُمَّ تَنْشَقّ السَّمَاء الثَّانِيَة فَيَنْزِل أَهْلهَا وَهُمْ أَكْثَر مِمَّنْ فِي سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَنْشَقّ السَّمَاء السَّابِعَة , ثُمَّ يُنَزَّل الْكَرُوبِيُّونَ وَحَمَلَة الْعَرْش ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : " وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا " أَيْ مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض لِحِسَابِ الثَّقَلَيْنِ . وَقِيلَ : إِنَّ السَّمَاء تَنْشَقّ بِالْغَمَامِ الَّذِي بَيْنهَا وَبَيْن النَّاس ; فَبِتَشَقُّقِ الْغَمَام تَتَشَقَّق السَّمَاء ; فَإِذَا اِنْشَقَّتْ السَّمَاء اِنْتَقَضَ تَرْكِيبهَا وَطُوِيَتْ وَنُزِّلَتْ الْمَلَائِكَة إِلَى مَكَان سِوَاهَا . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير : " وَنُنْزِل الْمَلَائِكَة " بِالنَّصْبِ مِنْ الْإِنْزَال . الْبَاقُونَ . " وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة " بِالرَّفْعِ . دَلِيله " تَنْزِيلًا " وَلَوْ كَانَ عَلَى الْأَوَّل لَقَالَ إِنْزَالًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ نَزَّلَ وَأَنْزَلَ بِمَعْنًى ; فَجَاءَ " تَنْزِيلًا " عَلَى " نَزَّلَ " وَقَدْ قَرَأَ عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَبِي عَمْرو : " وَنَزَّلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا " . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود : " وَأُنْزِلَ الْمَلَائِكَة " . أُبَيّ بْن كَعْب : " وَنُزِّلَتْ الْمَلَائِكَة " . وَعَنْهُ " وَتَنَزَّلَتْ الْمَلَائِكَة " .
مشاركة الموضوع