تفسير ابن كثير

سورة النور الآية ١٦

وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَٰنَكَ هَٰذَا بُهْتَٰنٌ عَظِيمٌۭ ﴿١٦﴾
هَذَا تَأْدِيب آخَر بَعْد الْأَوَّل الْآمِر بِظَنِّ الْخَيْر أَيْ إِذَا ذُكِرَ مَا لَا يَلِيق مِنْ الْقَوْل فِي شَأْن الْخِيرَة فَأَوْلَى يَنْبَغِي الظَّنّ بِهِمْ خَيْرًا . وَأَنْ لَا يُشْعِر نَفْسه سِوَى ذَلِكَ ثُمَّ إِنْ عَلِقَ بِنَفْسِهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَسْوَسَة أَوْ خَيَالًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ اللَّه تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَل " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُون لَنَا أَنْ نَتَكَلَّم بِهَذَا " أَيْ مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَفَوَّه بِهَذَا الْكَلَام وَلَا نَذْكُرهُ لِأَحَدٍ " سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم " أَيْ سُبْحَان اللَّه أَنْ يُقَال هَذَا الْكَلَام عَلَى زَوْجَة رَسُوله وَحَلِيلَة خَلِيله .
" لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ " أي: وهلا إذ سمعتم - أيها المؤمنون - كلام أهل الإفك.
" قُلْتُمْ " منكرين لذلك, معظمين لأمره: " مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا " أي: ما ينبغي لنا, وما يليق بنا الكلام, بهذا الإفك المبين, لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح " هَذَا بُهْتَانٌ " أي كذب عظيم.
وهلا قلتم عند سماعكم إياه: ما يَحِلُّ لنا الكلام بهذا الكذب، تنزيهًا لك - يارب - مِن قول ذلك على زوجة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كذب عظيم في الوزر واستحقاق الذنب.
"وَلَوْلَا" هَلَّا "إذْ" حِين "سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُون" مَا يَنْبَغِي "بِهَذَا" هُوَ لِلتَّعْجِيبِ هُنَا "هَذَا بُهْتَان" كَذِب
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُون لَنَا أَنْ نَتَكَلَّم بِهَذَا سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَلَوْلَا } أَيّهَا الْخَائِضُونَ فِي الْإِفْك الَّذِي جَاءَتْ بِهِ عُصْبَة مِنْكُمْ , { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } مِمَّنْ جَاءَ بِهِ , { قُلْتُمْ } مَا يَحِلّ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّم بِهَذَا , وَمَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَفَوَّه بِهِ { سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم } تَنْزِيهًا لَك يَا رَبّ وَبَرَاءَة إِلَيْك مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ ; { هَذَا بُهْتَان عَظِيم } يَقُول : هَذَا الْقَوْل بُهْتَان عَظِيم .
عِتَاب لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْكِرُوهُ وَلَا يَتَعَاطَاهُ بَعْضكُمْ مِنْ بَعْض عَلَى جِهَة الْحِكَايَة وَالنَّقْل , وَأَنْ تُنَزِّهُوا اللَّه تَعَالَى عَنْ أَنْ يَقَع هَذَا مِنْ زَوْج نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَأَنْ تَحْكُمُوا عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَة بِأَنَّهَا بُهْتَان ; وَحَقِيقَة الْبُهْتَان أَنْ يُقَال فِي الْإِنْسَان مَا لَيْسَ فِيهِ , وَالْغِيبَة أَنْ يُقَال فِي الْإِنْسَان مَا فِيهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ جَاءَ فِي صَحِيح الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
مشاركة الموضوع