تفسير ابن كثير

سورة المؤمنون الآية ٩٤

رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٩٤﴾
يَقُول تَعَالَى آمِرًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُو هَذَا الدُّعَاء عِنْد حُلُول النِّقَم " رَبّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ " أَيْ إِنْ عَاقَبْتهمْ وَأَنَا أُشَاهِد ذَلِكَ فَلَا تَجْعَلنِي فِيهِمْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ " وَإِذَا أَرَدْت بِقَوْمٍ فِتْنَة فَتَوَفَّنِي إِلَيْك غَيْر مَفْتُون .
" رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " أي: اعصمني وارحمني, مما ابتليتهم به من الذنوب الموجبة للنعم, واحمني أيضا من العذاب الذي ينزل بهم, لأن العقوبة العامة, تعم - عند نزولها - العاصي وغيره.
قل - أيها الرسول -: ربِّ إما ترينِّي في هؤلاء المشركين ما تَعِدُهم مِن عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين الظالمين، ولكن اجعلني ممن رضيتَ عنهم.
"رَبّ فَلَا تَجْعَلنِي فِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ" فَأَهْلِك بِإِهْلَاكِهِمْ
يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : رَبّ إِنْ تُرِيَنِّي فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا تَعِدهُمْ مِنْ عَذَابك فَلَا تُهْلِكنِي بِمَا تُهْلِكهُمْ بِهِ , وَنَجِّنِي مِنْ عَذَابك وَسَخَطك فَلَا تَجْعَلنِي فِي الْقَوْم الْمُشْرِكِينَ ; وَلَكِنِ اجْعَلْنِي مِمَّنْ رَضِيت عَنْهُ مِنْ أَوْلِيَائِك . وَقَوْله : { فَلَا تَجْعَلنِي } جَوَاب لِقَوْلِهِ : { إِمَّا تُرِيَنِّي } اعْتَرَضَ بَيْنهمَا بِالنِّدَاءِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْله جَزَاء لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْكَلَام , لَا يُقَال : يَا زَيْد فَقُمْ , وَلَا يَا رَبّ فَاغْفِرْ ; لِأَنَّ النِّدَاء مُسْتَأْنَف , وَكَذَلِكَ الْأَمْر بَعْده مُسْتَأْنَف , لَا تَدْخُلهُ الْفَاء وَالْوَاو , إِلَّا أَنْ يَكُون جَوَابًا لِكَلَامٍ قَبْله .
أَيْ فِي نُزُول الْعَذَاب بِهِمْ , بَلْ أَخْرِجْنِي مِنْهُمْ . وَقِيلَ : النِّدَاء مُعْتَرِض ; وَ " مَا " فِي " إِمَّا " زَائِدَة . وَقِيلَ : إِنَّ أَصْل إِمَّا إِنْ مَا ; فَ " إِنْ " شَرْط وَ " مَا " شَرْط , فَجُمِعَ بَيْن الشَّرْطَيْنِ تَوْكِيدًا , وَالْجَوَاب " فَلَا تَجْعَلنِي فِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ " ; أَيْ إِذَا أَرَدْت بِهِمْ عُقُوبَة فَأَخْرِجْنِي مِنْهُمْ. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَعْلَم أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَجْعَلهُ فِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ الْعَذَاب , وَمَعَ هَذَا أَمَرَهُ الرَّبّ بِهَذَا الدُّعَاء وَالسُّؤَال لِيُعْظِمَ أَجْره وَلِيَكُونَ فِي كُلّ الْأَوْقَات ذَاكِرًا لِرَبِّهِ تَعَالَى .
مشاركة الموضوع