تفسير ابن كثير

سورة البقرة الآية ١٢٢

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿١٢٢﴾
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَة فِي صَدْر السُّورَة وَكُرِّرَتْ هَاهُنَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْحَثّ عَلَى اِتِّبَاع الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَته فِي كُتُبهمْ وَنَعْته وَاسْمه وَأَمْره وَأُمَّته فَحَذَّرَهُمْ مِنْ كِتْمَان هَذَا وَكِتْمَان مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النِّعَم الدُّنْيَوِيَّة وَالدِّينِيَّة وَلَا يَحْسُدُوا بَنِي عَمّهمْ مِنْ الْعَرَب عَلَى مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ مِنْ إِرْسَال الرَّسُول الْخَاتَم مِنْهُمْ وَلَا يَحْمِلهُمْ ذَلِكَ الْحَسَدُ عَلَى مُخَالَفَته وَتَكْذِيبه وَالْحَيْد عَنْ مُوَافَقَته صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْم الدِّين .
يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم، وأني فَضَّلتكم على عالَمي زمانكم بكثرة أنبيائكم، وما أُنزل عليهم من الكتب.
"يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" تَقَدَّمَ مِثْله
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } وَهَذِهِ الْآيَة عِظَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانِيَّ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَذْكِير مِنْهُ لَهُمْ مَا سَلَف مِنْ أَيَادِيه إلَيْهِمْ فِي صُنْعه بِأَوَائِلِهِمْ اسْتِعْطَافًا مِنْهُ لَهُمْ عَلَى دِينه , وَتَصْدِيق رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَالَ : يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا أَيَادِيَّ لَدَيْكُمْ , وَصَنَائِعِي عِنْدكُمْ , وَاسْتِنْفَاذِي إيَّاكُمْ مِنْ أَيْدِي عَدُوّكُمْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , وَإِنْزَالِي عَلَيْكُمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى فِي تَيْهكُمْ , وَتَمْكِينِي لَكُمْ فِي الْبِلَاد , بَعْد أَنْ كُنْتُمْ مُذَلَّلِينَ مَقْهُورِينَ , وَاخْتِصَاصِي الرُّسُل مِنْكُمْ , وَتَفْضِيلِي إيَّاكُمْ عَلَى عَالَم مَنْ كُنْت بَيْن ظَهْرَانِيهِ , أَيَّام أَنْتُمْ فِي طَاعَتِي ; بِاتِّبَاعِ رَسُولِي إلَيْكُمْ , وَتَصْدِيقه وَتَصْدِيق مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي , وَدَعُوا التَّمَادِي فِي الضَّلَال وَالْغَيّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , وَالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرهمْ جَلّ ثَنَاءَهُ مِنْ آلَائِه عِنْدهمْ , وَالْعَالَم الَّذِي فُضِّلُوا عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى قَبْل , بِالرِّوَايَاتِ وَالشَّوَاهِد , فَكَرِهْنَا تَطْوِيل الْكِتَاب بِإِعَادَتِهِ , إذْ كَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع وَهُنَالِكَ وَاحِدًا .
مشاركة الموضوع