تفسير ابن كثير

سورة الكهف الآية ٦٨

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ﴿٦٨﴾
" وَكَيْف تَصْبِر عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا " فَأَنَا أَعْرِف أَنَّك سَتُنْكِرُ عَلَيَّ مَا أَنْتَ مَعْذُور فِيهِ وَلَكِنْ مَا اِطَّلَعْت عَلَى حِكْمَته وَمَصْلَحَته الْبَاطِنَة الَّتِي اِطَّلَعْت أَنَا عَلَيْهَا دُونك .
" وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا " أي: كيف تصبر على أمر, ما أحطت بباطنه وظاهره ولا علمت المقصود منه ومآله؟ فقال موسى: " سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا " وهذا عزم منه, قبل أن يوجد الشيء الممتحن به.
والعزم شيء, ووجود الصبر شيء آخر, فلذلك ما صبر موسى عليه السلام حين وقع الأمر.
وكيف لك الصبر على ما سأفعله من أمور تخفى عليك مما علمنيه الله تعالى؟
"وَكَيْفَ تَصْبِر عَلَى مَا لَمْ تُحِطّ بِهِ خُبْرًا" فِي الْحَدِيث السَّابِق عَقِب هَذِهِ الْآيَة "يَا مُوسَى إنِّي عَلَى عِلْم مِنْ اللَّه عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمهُ وَأَنْتَ عَلَى عِلْم مِنْ اللَّه عَلَّمَكَهُ اللَّه لَا أَعْلَمهُ" وَقَوْله خُبْرًا مَصْدَر بِمَعْنَى لَمْ تُحِطّ أَيْ لَمْ تُخْبَر حَقِيقَته
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَيْف تَصْبِر عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قَوْل الْعَالِم لِمُوسَى : وَكَيْف تَصْبِر يَا مُوسَى عَلَى مَا تَرَى مِنِّي مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي لَا عِلْم لَك بِوُجُوهِ صَوَابهَا , وَتُقِيم مَعِيَ عَلَيْهَا , وَأَنْتَ إِنَّمَا تَحْكُم عَلَى صَوَاب الْمُصِيب وَخَطَأ الْمُخْطِئ بِالظَّاهِرِ الَّذِي عِنْدك , وَبِمَبْلَغِ عِلْمك , وَأَفْعَالِي تَقَع بِغَيْرِ دَلِيل ظَاهِر لِرَأْيِ عَيْنك عَلَى صَوَابهَا , لِأَنَّهَا تُبْتَدَأ لِأَسْبَابٍ تَحْدُث آجِلَة غَيْر عَاجِلَة , لَا عِلْم لَك بِالْحَادِثِ عَنْهَا , لِأَنَّهَا غَيْب , وَلَا تُحِيط بِعِلْمِ الْغَيْب خُبْرًا يَقُول عِلْمًا .
وَالْأَنْبِيَاء لَا يُقِرُّونَ عَلَى مُنْكَر , وَلَا يَجُوز لَهُمْ التَّقْرِير أَيْ لَا يَسَعك السُّكُوت جَرْيًا عَلَى عَادَتك وَحُكْمك . وَانْتَصَبَ " خُبْرًا " عَلَى التَّمْيِيز الْمَنْقُول عَنْ الْفَاعِل . وَقِيلَ : عَلَى الْمَصْدَر الْمُلَاقَى فِي الْمَعْنَى , لِأَنَّ قَوْله : " لَمْ تُحِطْ " . مَعْنَاهُ لَمْ تُخْبَرهُ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ تَخْبُرهُ خُبْرًا ; وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُجَاهِد وَالْخَبِير بِالْأُمُورِ هُوَ الْعَالِم بِخَفَايَاهَا وَبِمَا يُخْتَبَر مِنْهَا .
مشاركة الموضوع