تفسير ابن كثير

سورة الحجر الآية ٤٠

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾
إِلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ " كَقَوْلِهِ " أَرَأَيْتُك هَذَا الَّذِي كَرَّمْت عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتنِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا " " قَالَ " اللَّه تَعَالَى لَهُ مُتَهَدِّدًا وَمُتَوَعِّدًا .
" وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " أي: أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم.
" إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ " أي: الذين أخلصتهم واجتبيتهم, لإخلاصهم, وإيمانهم, وتوكلهم.
قال إبليس: ربِّ بسبب ما أغويتني وأضللتني لأحسِّنَنَّ لذرية آدم معاصيك في الأرض، ولأضلنهم أجمعين عن طريق الهدى، إلا عبادك الذين هديتهم فأخلصوا لك العبادة وحدك دون سائر خلقك.
"إلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ" أَيْ الْمُؤْمِنِينَ
{ إِلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } يَقُول : إِلَّا مَنْ أَخْلَصْته بِتَوْفِيقِك فَهَدَيْته , فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا سُلْطَان لِي عَلَيْهِ وَلَا طَاقَة لِي بِهِ. وَقَدْ قُرِئَ : " إِلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلِصِينَ " فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ طَاعَتك , فَإِنَّهُ لَا سَبِيل لِي عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16005 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { إِلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } يَعْنِي : الْمُؤْمِنِينَ . 16006 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا هِشَام , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } قَالَ قَتَادَة : هَذِهِ ثَنِيَّة اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ .
قَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْكُوفَة بِفَتْحِ اللَّام ; أَيْ الَّذِينَ اِسْتَخْلَصْتهمْ وَأَخْلَصْتهمْ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ اللَّام ; أَيْ الَّذِينَ أَخْلَصُوا لَك الْعِبَادَة مِنْ فَسَاد أَوْ رِيَاء . حَكَى أَبُو ثُمَامَة أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَأَلُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ فَقَالَ : ( الَّذِي يَعْمَل وَلَا يُحِبّ أَنْ يَحْمَدهُ النَّاس ) .
مشاركة الموضوع