تفسير ابن كثير

سورة يوسف الآية ٦٠

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ﴿٦٠﴾
فَقَالَ " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي" الْآيَة أَيْ إِنْ لَمْ تَقْدَمُوا بِهِ مَعَكُمْ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي مِيرَة " وَلَا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ " أَيْ سَنَحْرِصُ عَلَى مَجِيئِهِ إِلَيْك بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا نُبْقِي مَجْهُودًا لِتَعْلَم صِدْقنَا فِيمَا قُلْنَاهُ , وَذَكَرَ السُّدِّيّ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ رَهَائِن حَتَّى يَقْدَمُوا بِهِ مَعَهُمْ وَفِي هَذَا نَظَر لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَرَغَّبَهُمْ كَثِيرًا وَهَذَا عَلَى رُجُوعهمْ .
ثم رهبهم بعدم الإتيان به, فقال: " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ " .
وذلك, لعلمه باضطرارهم, إلى الإتيان إليه, وأن ذلك يحملهم على الإتيان به.
فإن لم تأتوني به فليس لكم عندي طعام أكيله لكم، ولا تأتوا إليَّ.
"فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي" أَيْ مِيرَة "وَلَا تَقْرَبُونِي" نَهْي أَوْ عَطْف عَلَى مَحَلّ فَلَا كَيْل أَيْ تُحْرَمُوا وَلَا تَقْرَبُوا
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قَيْلِ يُوسُف لِإِخْوَتِهِ : { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ } بِأَخِيكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ , { فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي } يَقُول : فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي طَعَام أَكِيلهُ لَكُمْ , { وَلَا تَقْرَبُونِ } يَقُول : وَلَا تَقْرَبُوا بِلَادِي . وَقَوْله : { وَلَا تَقْرَبُونِ } فِي مَوْضِع جَزْم بِالنَّهْيِ , وَالنُّون فِي مَوْضِع نَصْب , وَكُسِرَتْ لَمَّا حُذِفَتْ يَاؤُهَا , وَالْكَلَام : وَلَا تَقْرَبُونِي .
تَوَعَّدَهُمْ أَلَّا يَبِيعهُمْ الطَّعَام إِنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ . " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي " أَيْ فَلَا أَبِيعكُمْ شَيْئًا فِيمَا بَعْد , لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُمْ كَيْلهمْ فِي هَذِهِ الْحَال . " وَلَا تَقْرَبُونَ " أَيْ لَا أُنْزِلكُمْ عِنْدِي مَنْزِلَة الْقَرِيب , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يَبْعُدُونَ مِنْهُ وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى الْعَوْد حَثّهمْ . قَالَ السُّدِّيّ : وَطَلَبَ مِنْهُمْ رَهِينَة حَتَّى يَرْجِعُوا ; فَارْتَهَنَ شَمْعُون عِنْده ; قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّمَا اِخْتَارَ شَمْعُون مِنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْم الْجُبّ أَجْمَلَهُمْ قَوْلًا , وَأَحْسَنهمْ رَأْيًا . و " تَقْرَبُونَ " فِي مَوْضِع جَزْم بِالنَّهْيِ , فَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّون وَحُذِفَتْ الْيَاء ; لِأَنَّهُ رَأْس آيَة ; وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ " تَقْرَبُونَ " بِفَتْحِ النُّون .
مشاركة الموضوع