تفسير ابن كثير

سورة يوسف الآية ٣٩

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٣٩﴾
ثُمَّ إِنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام أَقْبَلَ عَلَى الْفَتَيَيْنِ بِالْمُخَاطَبَةِ وَالدُّعَاء لَهُمَا إِلَى عِبَادَة اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَخَلْع مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَوْثَان الَّتِي يَعْبُدهَا قَوْمهمَا فَقَالَ " أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمْ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار " أَيْ الَّذِي دَلَّ كُلّ شَيْء لِعِزِّ جَلَاله وَعَظَمَة سُلْطَانه .
ثم صرح لهما بالدعوة فقال: " يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ " أي: أرباب عاجزة ضعيفة, لا تنفع ولا تضر, ولا تعطي ولا تمنع, وهي متفرقة, ما بين أشجار, وأحجار, وملائكة, وأموات, وغير ذلك من أنواع المعبودات, التي يتخذها المشركون.
أذلك " خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ " الذي له صفات الكمال, " الْوَاحِدُ " في ذاته, وصفاته, وأفعاله فلا شريك له في شيء من ذلك.
" الْقَهَّارُ " الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه, فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " .
ومن المعلوم, أن هذا شأنه ووصفه, خير من الآلهة المتفرقة, التي هي مجرد أسماء, لا كمال لها, ولا فعال لديها.
وقال يوسف للفَتَيين اللذين معه في السجن: أعبادةُ آلهةٍ مخلوقة شتى خير أم عبادة الله الواحد القهار؟
"يَا صَاحِبَيِ" سَاكِنِي "السِّجْن أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمِ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار" خَيْر ؟ اسْتِفْهَام تَقْرِير
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْن أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمِ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار } ذُكِرَ أَنَّ يُوسُف صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ قَالَ هَذَا الْقَوْل لِلْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ دَخَلَا مَعَهُ السِّجْن ; لِأَنَّ أَحَدهمَا كَانَ مُشْرِكًا , فَدَعَاهُ بِهَذَا الْقَوْل إِلَى الْإِسْلَام وَتَرْك عِبَادَة الْآلِهَة وَالْأَوْثَان , فَقَالَ : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْن } يَعْنِي : يَا مَنْ هُوَ فِي السِّجْن , وَجَعَلَهُمَا صَاحِبَيْهِ لِكَوْنِهِمَا فِيهِ , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى لِسُكَّانِ الْجَنَّة { أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وَكَذَلِكَ قَالَ لِأَهْلِ النَّار , وَسَمَّاهُمْ أَصْحَابَهَا لِكَوْنِهِمْ فِيهَا . وَقَوْله : { أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمِ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار } يَقُول : أَعِبَادَة أَرْبَاب شَتَّى مُتَفَرِّقِينَ وَآلِهَة لَا تَنْفَع وَلَا تَضُرّ خَيْر , أَمْ عِبَادَة الْمَعْبُود الْوَاحِد الَّذِي لَا ثَانِيَ لَهُ فِي قُدْرَته وَسُلْطَانه , الَّذِي قَهَرَ كُلّ شَيْء فَذَلَّلَهُ وَسَخَّرَهُ فَأَطَاعَهُ طَوْعًا وَكَرْهًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14761 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْن أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ } إِلَى قَوْله : { لَا يَعْلَمُونَ } لَمَّا عَرَفَ نَبِيّ اللَّه يُوسُف أَنَّ أَحَدهمَا مَقْتُول دَعَاهُمَا إِلَى حَظّهمَا مِنْ رَبّهمَا وَإِلَى نَصِيبهمَا مِنْ آخِرَتهمَا 14762 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْن } يُوسُف يَقُولهُ - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 14763 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : ثُمَّ دَعَاهُمَا إِلَى اللَّه وَإِلَى الْإِسْلَام , فَقَالَ : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْن أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمِ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار } : أَيْ خَيْر أَنْ تَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا , أَوْ آلِهَة مُتَفَرِّقَة لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا ؟
أَيْ يَا سَاكِنَيْ السِّجْن ; وَذَكَرَ الصُّحْبَة لِطُولِ مَقَامهمَا فِيهِ , كَقَوْلِك : أَصْحَاب الْجَنَّة , وَأَصْحَاب النَّار .


أَيْ فِي الصِّغَر وَالْكِبْر وَالتَّوَسُّط , أَوْ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْعَدَد .



وَقِيلَ : الْخِطَاب لَهُمَا وَلِأَهْلِ السِّجْن , وَكَانَ بَيْن أَيْدِيهمْ أَصْنَام يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى , فَقَالَ ذَلِكَ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ ; أَيْ آلِهَة شَتَّى لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع . " خَيْر أَمْ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار " الَّذِي قَهَرَ كُلّ شَيْء . نَظِيره : " اللَّه خَيْر أَمَّا يُشْرِكُونَ " [ النَّمْل : 59 ] . وَقِيلَ : أَشَارَ بِالتَّفَرُّقِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْإِلَه لَتَفَرَّقُوا فِي الْإِرَادَة وَلَعَلَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَبَيَّنَ أَنَّهَا إِذَا تَفَرَّقَتْ لَمْ تَكُنْ آلِهَة .
مشاركة الموضوع