تفسير الطبري

سورة التين الآية ٣

وَهَٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ ﴿٣﴾
وَقَوْله : { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } يَقُول : وَهَذَا الْبَلَد الْآمِن مِنْ أَعْدَائِهِ أَنْ يُحَارِبُوا أَهْله , أَوْ يَغْزُوهُمْ . وَقِيلَ : الْأَمِين , وَمَعْنَاهُ : الْآمِن , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أَسْمَ وَيْحك أَنَّنِي حَلَفْت يَمِينًا لَا أَخُون أَمِينِي يُرِيد : آمِنِي , وَهَذَا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ } . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } : مَكَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29104 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } قَالَ : مَكَّة . 29105 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا رَوْح , قَالَ : ثَنَا عَوْف , عَنْ يَزِيد أَبِي عَبْد اللَّه , عَنْ كَعْب , فِي قَوْل اللَّه { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } قَالَ : الْبَلَد الْحَرَام . 29106 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا رَوْح , قَالَ : ثَنَا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } قَالَ : الْبَلَد الْحَرَام . 29107 - قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان ; وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان ; وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } قَالَ مَكَّة . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّل , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مِهْرَان , عَنْ سَلَّام بْن سُلَيْم , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } : مَكَّة . 29108 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت الْحَكَم يُحَدِّث عَنْ عِكْرِمَة { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } : قَالَ : الْبَلَد الْحَرَام . * - قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سُئِلَ عِكْرِمَة , عَنْ قَوْله { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } قَالَ : مَكَّة . 29109 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } يَعْنِي : مَكَّة. 29110 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } قَالَ : الْمَسْجِد الْحَرَام . 29111 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّل , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم { وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين } : مَكَّة .
واقسم بهذا البلد الأمين من كل خوف وهو " مكة " مهبط الإسلام.
أَقْسم الله بالتين والزيتون، وهما من الثمار المشهورة، وأقسم بجبل "طور سيناء" الذي كلَّم الله عليه موسى تكليمًا، وأقسم بهذا البلد الأمين من كل خوف وهو "مكة" مهبط الإسلام. لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة، ثم رددناه إلى النار إن لم يطع الله، ويتبع الرسل، لكن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم أجر عظيم غير مقطوع ولا منقوص.
" وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين " مَكَّة لِأَمْنِ النَّاس فِيهَا جَاهِلِيَّة وَإِسْلَامًا
يَعْنِي مَكَّة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَابْن زَيْد وَكَعْب الْأَحْبَار وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض الْأَئِمَّة هَذِهِ مَحَالّ ثَلَاثَة بَعَثَ اللَّه فِي كُلّ وَاحِد مِنْهَا نَبِيًّا مُرْسَلًا مِنْ أُولِي الْعَزْم أَصْحَاب الشَّرَائِع الْكِبَار " فَالْأَوَّل " مَحَلَّة التِّين وَالزَّيْتُون وَهِيَ بَيْت الْمَقْدِس الَّتِي بَعَثَ اللَّه فِيهَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام " وَالثَّانِي " طُور سِنِينَ وَهُوَ طُور سَيْنَاء الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى بْن عِمْرَان " وَالثَّالِث " مَكَّة وَهُوَ الْبَلَد الْأَمِين الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ فِيهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَفِي آخِر التَّوْرَاة ذِكْر هَذِهِ الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة : جَاءَ اللَّه مِنْ طُور سَيْنَاء - يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى بْن عِمْرَان - وَأَشْرَقَ مِنْ ساعير - يَعْنِي بَيْت الْمَقْدِس الَّذِي بَعَثَ اللَّه مِنْهُ عِيسَى - وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَال فَارَان - يَعْنِي جِبَال مَكَّة الَّتِي أَرْسَلَ اللَّه مِنْهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُمْ مُخْبِرًا عَنْهُمْ عَلَى التَّرْتِيب الْوُجُودِيّ بِحَسَبِ تَرْتِيبهمْ الزَّمَان وَلِهَذَا أَقْسَمَ بِالْأَشْرَفِ ثُمَّ الْأَشْرَف مِنْهُ ثُمَّ بِالْأَشْرَفِ مِنْهُمَا .
يَعْنِي مَكَّة . سَمَّاهُ أَمِينًا ; لِأَنَّهُ آمِن كَمَا قَالَ : " أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمَنَا " [ الْعَنْكَبُوت : 67 ] فَالْأَمِين : بِمَعْنَى الْآمِن قَالَهُ الْفَرَّاء وَغَيْره . قَالَ الشَّاعِر : أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أَسْمُ وَيْحَك أَنَّنِي حَلَفْت يَمِينًا لَا أَخُونُ أَمِينِي يَعْنِي : آمِنِي . وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ أَرَادَ بِالتِّينِ دِمَشْق , وَبِالزَّيْتُونِ بَيْت الْمَقْدِس . فَأَقْسَمَ اللَّه بِجَبَلِ دِمَشْق ; لِأَنَّهُ مَأْوَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَبِجَبَلِ بَيْت الْمَقْدِس ; لِأَنَّهُ مَقَام الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام , وَبِمَكَّة ; لِأَنَّهَا أَثَر إِبْرَاهِيم وَدَار مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مشاركة الموضوع