تفسير الطبري

سورة الشمس الآية ٩

قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ﴿٩﴾
قَوْله : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } يَقُول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّه نَفْسَهُ , فَكَثَّرَ تَطْهِيرهَا مِنْ الْكُفْر وَالْمَعَاصِي , وَأَصْلَحَهَا بِالصَّالِحَاتِ مِنْ الْأَعْمَال . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28963- حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } يَقُول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّه نَفْسه . 28964 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } قَالُوا : مَنْ أَصْلَحَهَا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَلَمْ يَذْكُر عِكْرِمَة . 28965 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } مَنْ عَمِلَ خَيْرًا زَكَّاهَا بِطَاعَةِ اللَّه . 28966 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } قَالَ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسه بِعَمَلٍ صَالِح . 28967 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } يَقُول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّه نَفْسَهُ . وَهَذَا هُوَ مَوْضِع الْقَسَم , كَمَا : 28968 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَدْ وَقَعَ الْقَسَم هَاهُنَا { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } . وَقَدْ ذَكَرْت مَا تَقُول أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِره قَبْل .
قد فاز من طهرها ونماها بالخير,
أقسم الله بالشمس ونهارها وإشراقها ضحى، وبالقمر إذا تبعها في الطلوع والأفول، وبالنهار إذا جلَّى الظلمة وكشفها، وبالليل عندما يغطي الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، وبالسماء وبنائها المحكم، وبالأرض وبَسْطها، وبكل نفس وإكمال الله خلقها لأداء مهمتها، فبيَّن لها طريق الشر وطريق الخير، قد فاز مَن طهَّرها ونمَّاها بالخير، وقد خسر مَن أخفى نفسه في المعاصي.
" قَدْ أَفْلَحَ " حُذِفَتْ مِنْهُ اللَّام لِطُولِ الْكَلَام " مَنْ زَكَّاهَا " طَهَّرَهَا مِنْ الذُّنُوب
قَوْله تَعَالَى " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسه أَيْ بِطَاعَةِ اللَّه كَمَا قَالَ قَتَادَة وَطَهَّرَهَا مِنْ الْأَخْلَاق الدَّنِيئَة وَالرَّذَائِل وَيُرْوَى نَحْوه عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى " .
" قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا " هَذَا جَوَاب الْقَسَم , بِمَعْنَى : لَقَدْ أَفْلَحَ . قَالَ الزَّجَّاج : اللَّام حُذِفَتْ ; لِأَنَّ الْكَلَام طَالَ , فَصَارَ طُوله عِوَضًا مِنْهَا . وَقِيلَ : الْجَوَاب مَحْذُوف أَيْ وَالشَّمْس وَكَذَا وَكَذَا لَتُبْعَثُنَّ . الزَّمَخْشَرِيّ : تَقْدِيره لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى أَهْل مَكَّة , لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا دَمْدَمَ عَلَى ثَمُود ; لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا صَالِحًا . وَأَمَّا " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا " فَكَلَام تَابِع لِأَوَّلِهِ لِقَوْلِهِ : " فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا " عَلَى سَبِيل الِاسْتِطْرَاد , وَلَيْسَ مِنْ جَوَاب الْقَسَم فِي شَيْء . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير بِغَيْرِ حَذْف وَالْمَعْنَى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا , وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا , وَالشَّمْس وَضُحَاهَا . " أَفْلَحَ " فَازَ . " مَنْ زَكَّاهَا " أَيْ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسه بِالطَّاعَةِ .
مشاركة الموضوع