تفسير الطبري

سورة الفجر الآية ٢١

كَلَّآ إِذَا دُكَّتِ ٱلْأَرْضُ دَكًّۭا دَكًّۭا ﴿٢١﴾
وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { كَلَّا } : مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْأَمْر .

ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ نَدَمهمْ عَلَى أَفْعَالهمْ السَّيِّئَة فِي الدُّنْيَا , وَتَلَهُّفهمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ حِين لَا يَنْفَعهُمْ النَّدَم , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا دَكًّا } يَعْنِي : إِذَا رُجَّتْ وَزُلْزِلَتْ زَلْزَلَة , وَحُرِّكَتْ تَحْرِيكًا بَعْد تَحْرِيك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28813 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا دَكًّا } يَقُول : تَحْرِيكهَا . 28814 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنِي حَرْمَلَة بْن عِمْرَان , أَنَّهُ سَمِعَ عُمَر مَوْلَى غُفْرَة يَقُول : إِذَا سَمِعْت اللَّه يَقُول كَلَّا , فَإِنَّمَا يَقُول : كَذَبْت .
ما هكذا ينبغي أن يكون حالكم.
فإذا زلزلت الأرض وكسر بعضها بعضا,
ما هكذا ينبغي أن يكون حالكم. فإذا زلزلت الأرض وكَسَّر بعضُها بعضًا، وجاء ربُّك لفصل القضاء بين خلقه، والملائكة صفوفًا صفوفًا، وجيء في ذلك اليوم العظيم بجهنم، يومئذ يتعظ الكافر ويتوب، وكيف ينفعه الاتعاظ والتوبة، وقد فرَّط فيهما في الدنيا، وفات أوانهما؟
" كَلَّا " رَدْع لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ " إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا دَكًّا " زُلْزِلَتْ حَتَّى يَنْهَدِم كُلّ بِنَاء عَلَيْهَا وَيَنْعَدِم
يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا يَقَع يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْأَهْوَال الْعَظِيمَة فَقَالَ تَعَالَى" كَلَّا " أَيْ حَقًّا " إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا دَكًّا " أَيْ وُطِئَتْ وَمُهِّدَتْ وَسُوِّيَتْ الْجِبَال وَقَامَ الْخَلَائِق مِنْ قُبُورهمْ لِرَبِّهِمْ .
قَوْله تَعَالَى : " كَلَّا " أَيْ مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْأَمْر . فَهُوَ رَدّ لِانْكِبَابِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا , وَجَمْعهمْ لَهَا فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَنْدَم يَوْم تُدَكّ الْأَرْض , وَلَا يَنْفَع النَّدَم . وَالدَّكّ : الْكَسْر وَالدَّقّ وَقَدْ تَقَدَّمَ . أَيْ زُلْزِلَتْ الْأَرْض , وَحُرِّكَتْ تَحْرِيكًا بَعْد تَحْرِيك . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ زُلْزِلَتْ فَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضًا . وَقَالَ الْمُبَرِّد : أَيْ أُلْصِقَتْ وَذَهَبَ اِرْتِفَاعهَا . يُقَال نَاقَة دَكَّاء , أَيْ لَا سَنَام لَهَا , وَالْجَمْع دُكّ . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْأَعْرَاف " و " الْحَاقَّة " الْقَوْل فِي هَذَا . وَيَقُولُونَ : دَكَّ الشَّيْء أَيْ هُدِمَ . قَالَ : هَلْ غَيْرُ غَارٍ دَكَّ غَارًا فَانْهَدَمْ " دَكًّا دَكًّا " أَيْ مَرَّة بَعْد مَرَّة زُلْزِلَتْ فَكَسَرَ بَعْضهَا بَعْضًا فَتَكَسَّرَ كُلّ شَيْء عَلَى ظَهْرهَا . وَقِيلَ : دُكَّتْ جِبَالهَا وَأَنْشَازُهَا حَتَّى اِسْتَوَتْ . وَقِيلَ : دُكَّتْ أَيْ اِسْتَوَتْ فِي الِانْفِرَاش فَذَهَبَ دُورهَا وَقُصُورهَا وَجِبَالهَا وَسَائِر أَبْنِيَتهَا . وَمِنْهُ سُمِّيَ الدُّكَّان , لِاسْتِوَائِهِ فِي الِانْفِرَاش . وَالدَّكّ : حَطَّ الْمُرْتَفِع مِنْ الْأَرْض بِالْبَسِيطِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : تُمَدُّ الْأَرْض مَدَّ الْأَدِيم .
مشاركة الموضوع