تفسير الطبري

سورة البروج الآية ١٥

ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴿١٥﴾
وَقَوْله : { ذُو الْعَرْش الْمَجِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ذُو الْعَرْش الْكَرِيم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28567 - عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ذُو الْعَرْش الْمَجِيد } يَقُول : الْكَرِيم . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { الْمَجِيد } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ رَفْعًا , رَدًّا عَلَى قَوْله : { ذُو الْعَرْش } عَلَى أَنَّهُ مِنْ صِفَة اللَّه تَعَالَى ذِكْره . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة خَفْضًا , عَلَى أَنَّهُ مِنْ صِفَة الْعَرْش . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
ذو العرش العظيم,
إن انتقام ربك من أعدائه وعذابه لهم لَعظيم شديد، إنه هو يُبدئ الخلق ثم يعيده، وهو الغفور لمن تاب، كثير المودة والمحبة لأوليائه، صاحب العرشِ المجيدُ الذي بلغ المنتهى في الفضل والكرم، فَعَّال لما يريد، لا يمتنع عليه شيء يريده.
" ذُو الْعَرْش " خَالِقه وَمَالِكه " الْمَجِيد " بِالرَّفْعِ : الْمُسْتَحِقّ لِكَمَالِ صِفَات الْعُلُوّ
أَيْ صَاحِب الْعَرْش الْعَظِيم الْعَالِي عَلَى جَمِيع الْخَلَائِق وَالْمَجِيد فِيهِ قِرَاءَتَانِ الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِلرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَرّ عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِلْعَرْشِ وَكِلَاهُمَا مَعْنًى صَحِيح .
قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا عَاصِمًا " الْمَجِيد " بِالْخَفْضِ , نَعْتًا لِلْعَرْشِ . وَقِيلَ : لِـ " رَبّك " ; أَيْ إِنَّ بَطْش رَبّك الْمَجِيد لَشَدِيد , وَلَمْ يَمْتَنِع الْفَصْل , لِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الصِّفَة فِي التَّشْدِيد . الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِـ " ذُو " وَهُوَ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم ; لِأَنَّ الْمَجْد هُوَ النِّهَايَة فِي الْكَرَم وَالْفَضْل , وَاَللَّه سُبْحَانه الْمَنْعُوت بِذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَفَ عَرْشه بِالْكَرِيمِ فِي آخِر " الْمُؤْمِنُونَ " . تَقُول الْعَرَب : فِي كُلّ شَجَر نَار , وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخ وَالْعَفَار ; أَيْ تَنَاهَيَا فِيهِ , حَتَّى يُقْتَبَس مِنْهُمَا . وَمَعْنَى ذُو الْعَرْش : أَيْ ذُو الْمُلْك وَالسُّلْطَان ; كَمَا يُقَال : فُلَان عَلَى سَرِير مُلْكه ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَرِير . وَيُقَال : ثُلَّ عَرْشه : أَيْ ذَهَبَ سُلْطَانه . وَقَدْ مَضَى بَيَان هَذَا فِي " الْأَعْرَاف " وَخَاصَّة فِي " كِتَاب الْأَسْنَى , فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى " .
مشاركة الموضوع