تفسير الطبري

سورة التكوير الآية ٢٨

لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾
{ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم } فَجَعَلَ ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره , ذِكْرًا لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْعَالَمِينَ أَنْ يَسْتَقِيم , وَلَمْ يَجْعَلهُ ذِكْرًا لِجَمِيعِهِمْ , فَاللَّام فِي قَوْله : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ } إِبْدَال مِنْ اللَّام فِي لِلْعَالَمِينَ . وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْر لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم عَلَى سَبِيل الْحَقّ فَيَتَّبِعهُ , وَيُؤْمِن بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28325 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم } قَالَ : يَتَّبِع الْحَقّ .
لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان,
فأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بالقرآن بعد هذه الحجج القاطعة؟ ما هو إلا موعظة من الله لجميع الناس، لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان، وما تشاؤون الاستقامة، ولا تقدرون على ذلك، إلا بمشيئة الله رب الخلائق أجمعين.
" لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ " بَدَل مِنْ الْعَالَمِينَ بِإِعَادَةِ الْجَارّ " أَنْ يَسْتَقِيم " بِاتِّبَاعِ الْحَقّ
أَيْ مَنْ أَرَادَ الْهِدَايَة فَعَلَيْهِ بِهَذَا الْقُرْآن فَإِنَّهُ مَنْجَاة لَهُ وَهِدَايَة وَلَا هِدَايَة فِيمَا سِوَاهُ .
أَيْ يَتَّبِع الْحَقّ وَيُقِيم عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَسُلَيْمَان بْن مُوسَى : لَمَّا نَزَلَتْ " لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم " قَالَ أَبُو جَهْل : الْأَمْر إِلَيْنَا , إِنْ شِئْنَا اِسْتَقَمْنَا , وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَسْتَقِمْ - وَهَذَا هُوَ الْقَدَر ; وَهُوَ رَأْس الْقَدَرِيَّة - فَنَزَلَتْ : " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ "
مشاركة الموضوع