تفسير الطبري

سورة التكوير الآية ٢

وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ﴿٢﴾
وَقَوْله : { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } يَقُول : وَإِذَا النُّجُوم تَنَاثَرَتْ مِنْ السَّمَاء فَتَسَاقَطَتْ , وَأَصْل الِانْكِدَار : الِانْصِبَاب , كَمَا قَالَ الْعَجَّاج : أَبْصَرَ خِرْبَان فَضَاء فَانْكَدَرَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : اِنْكَدَرَ : اِنْصَبَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28219 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي يَعْلَى , عَنْ الرَّبِيع بْن خَيْثَم { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } قَالَ : تَنَاثَرَتْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي يَعْلَى , عَنْ الرَّبِيع بْن خَيْثَم , مِثْله . 28220 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } قَالَ : تَنَاثَرَتْ . 28221 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } قَالَ : اِنْتَثَرَتْ . 28222 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } قَالَ : تَسَاقَطَتْ وَتَهَافَتَتْ . 28223 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } قَالَ : رُمِيَ بِهَا مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض . وَقَالَ آخَرُونَ : اِنْكَدَرَتْ : تَغَيَّرَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28224 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ } يَقُول : تَغَيَّرَتْ .
وإذا النجوم تناثرت, فذهب نورها,
إذا الشمس لُفَّت وذهب ضَوْءُها، وإذا النجوم تناثرت، فذهب نورها، وإذا الجبال سيِّرت عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثًا، وإذا النوق الحوامل تُركت وأهملت، وإذا الحيوانات الوحشية جُمعت واختلطت؛ ليقتصَّ الله من بعضها لبعض، وإذا البحار أوقدت، فصارت على عِظَمها نارًا تتوقد، وإذا النفوس قُرنت بأمثالها ونظائرها، وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها: بأيِّ ذنب كان دفنها؟ وإذا صحف الأعمال عُرضت، وإذا السماء قُلعت وأزيلت من مكانها، وإذا النار أوقدت فأضرِمت، وإذا الجنة دار النعيم قُرِّبت من أهلها المتقين، إذا وقع ذلك، تيقنتْ ووجدتْ كلُّ نفس ما قدَّمت من خير أو شر.
" وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " اِنْقَضَّتْ وَتَسَاقَطَتْ عَلَى الْأَرْض
وَقَوْله تَعَالَى " وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " أَيْ اِنْتَثَرَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذَا الْكَوَاكِب اِنْتَثَرَتْ " وَأَصْل الِانْكِدَار الِانْصِبَاب . قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : سِتّ آيَات قَبْل يَوْم الْقِيَامَة بَيْنَا النَّاس فِي أَسْوَاقهمْ إِذْ ذَهَبَ ضَوْء الشَّمْس فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَنَاثَرَتْ النُّجُوم فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَقَعَتْ الْجِبَال عَلَى وَجْه الْأَرْض فَتَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ وَاخْتَلَطَتْ فَفَزِعَتْ الْجِنّ إِلَى الْإِنْس وَالْإِنْس إِلَى الْجِنّ وَاخْتَلَطَتْ الدَّوَابّ وَالطَّيْر وَالْوُحُوش فَمَاجُوا بَعْضهمْ فِي بَعْض " وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ" قَالَ اِخْتَلَطَتْ " وَإِذَا الْعِشَار عُطِّلَتْ " قَالَ أَهْمَلَهَا أَهْلهَا " وَإِذَا الْبِحَار سُجِّرَتْ " قَالَ : قَالَتْ الْجِنّ نَحْنُ نَأْتِيكُمْ بِالْخَبَرِ قَالَ فَانْطَلَقُوا إِلَى الْبَحْر فَإِذَا هُوَ نَار تَتَأَجَّج قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتْ الْأَرْض صَدْعَة وَاحِدَة إِلَى الْأَرْض السَّابِعَة السُّفْلَى وَإِلَى السَّمَاء السَّابِعَة الْعُلْيَا قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهُمْ الرِّيح فَأَمَاتَتْهُمْ . رَوَاهُ اِبْن جَرِير هَذَا لَفْظه وَابْن أَبِي حَاتِم بِبَعْضِهِ وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن خُثَيْم وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأَبُو صَالِح وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَالضَّحَّاك فِي قَوْله جَلَّ وَعَلَا " وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " أَيْ تَنَاثَرَتْ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " أَيْ تَغَيَّرَتْ. وَقَالَ يَزِيد بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " قَالَ " اِنْكَدَرَتْ فِي جَهَنَّم وَكُلّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه فَهُوَ فِي جَهَنَّم إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عِيسَى وَأُمّه وَلَوْ رَضِيَا أَنْ يُعْبَدَا لَدَخَلَاهَا " رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّم.
أَيْ تَهَافَتَتْ وَتَنَاثَرَتْ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : اِنْصَبَّتْ كَمَا تَنْصَبُّ الْعُقَاب إِذَا اِنْكَسَرَتْ . قَالَ الْعَجَّاج يَصِف صَقْرًا : أَبْصَرَ خِرْبَان فَضَاء فَانْكَدَرْ تَقَضِّي الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كُسِرْ وَرَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَبْقَى فِي السَّمَاء يَوْمئِذٍ نَجْم إِلَّا سَقَطَ فِي الْأَرْض , حَتَّى يَفْزَع أَهْل الْأَرْض السَّابِعَة مِمَّا لَقِيَتْ وَأَصَابَ الْعُلْيَا ) , يَعْنِي الْأَرْض . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : تَسَاقَطَتْ ; وَذَلِكَ أَنَّهَا قَنَادِيل مُعَلَّقَة بَيْن السَّمَاءِ وَالْأَرْض بِسَلَاسِل مِنْ نُور , وَتِلْكَ السَّلَاسِل بِأَيْدِي مَلَائِكَة مِنْ نُور , فَإِذَا جَاءَتْ النَّفْخَة الْأُولَى مَاتَ مَنْ فِي الْأَرْض وَمَنْ فِي السَّمَوَات , فَتَنَاثَرَتْ تِلْكَ الْكَوَاكِب وَتَسَاقَطَتْ السَّلَاسِل مِنْ أَيْدِي الْمَلَائِكَة ; لِأَنَّهُ مَاتَ مَنْ كَانَ يُمْسِكهَا . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْكِدَارهَا طَمَسَ آثَارهَا . وَسُمِّيَتْ النُّجُوم نُجُومًا لِظُهُورِهَا فِي السَّمَاء بِضَوْئِهَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : اِنْكَدَرَتْ تَغَيَّرَتْ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا ضَوْء لِزَوَالِهَا عَنْ أَمَاكِنهَا . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب .
مشاركة الموضوع